تفسير الوسيط (الزحيلي)، ج ١، ص : ٧٥٥
و أسباب استحقاق أهل الضلالة دخول جهنم : هي أنهم عطلوا وسائل المعرفة الصحيحة التي توصلهم إلى الخير والإيمان، والخير فيما أمر اللّه به، والشر فيما نهى اللّه عنه، فهم معرضون عن آيات اللّه لأن لهم قلوبا لا تفقه ولا تفهم، وأعينا لا تبصر الحقائق، وآذانا لا تسمع سماع تدبر وإصغاء لآيات اللّه المنزلة على أنبيائه.
وليس الغرض من ذلك نفي هذه الإدراكات عن حواسهم جملة، وإنما الغرض نفيها وعدم استعمالها في الطريق الصحيح، فكأن هؤلاء القوم، لما لم ينفعهم النظر بالقلب ولا بالعين ولا ما سمعوه من الآيات والمواعظ، استوجبوا الوصف بأنهم لا يفقهون ولا يبصرون ولا يسمعون. إنهم لا يفقهون في قلوبهم شيئا من أمر الآخرة، ولا يبصرون بأعينهم الهدى، ولا يسمعون بآذانهم الحق.
هؤلاء المتصفون بهذه الأوصاف، الذين عطلوا عقولهم وحواسهم هم كالأنعام السائمة، لا همّ لهم إلا التمتع بلذائذ الحياة الدنيوية، بل هم أضل سبيلا منها لأن الأنعام تحرص على ما ينفعها، وتنفر مما يضرها، ولا تسرف في أكلها وشربها، وهؤلاء قوم متهورون يقدمون على النار معاندة، يسرفون في جميع اللذات، ولا يهتدون إلى ثواب، فتكون غفلتهم بمعنى ترك التدبر والاتعاظ، والإعراض عن الجنة والنار.
أما أهل الفطنة والعقل المتدبر المتأمل في المستقبل، فهم الذين عملوا للآخرة، ولم يهملوا ما تتطلبه الدنيا، ولقد أرشدهم اللّه إلى الإيمان والمزيد من الاستقامة، فقال سبحانه : وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها أي لله تعالى أسماء تسعة وتسعون تطلق عليه، للدلالة على أوصافه، وهي أسماء منصوص عليها، ولا يسمى اللّه تعالى إلا باسم قد أطلقته الشريعة، ودلت عليه. واللّه يأمرنا بالدعاء بهذه الأسماء كالحي القيوم، الرحمن الرحيم، الحليم العظيم الغفور، السميع البصير، وغير ذلك، وهي


الصفحة التالية
Icon