تفسير الوسيط (الزحيلي)، ج ١، ص : ٩٢٧
و قتادة : إن العسرة بلغت بهم في تلك الغزوة وهي غزوة تبوك، إلى أن قسموا التمرة بين رجلين، ثم كان النفر يأخذون التمرة الواحدة، فيمضغها أحدهم ويشرب عليها الماء، ثم يفعل كلهم بها ذلك، وقال عمر رضي اللّه عنه : وأصابهم في بعضها عطش شديد، حتى جعلوا ينحرون الإبل، ويشربون ما في كروشها من الماء.. حتى استسقى لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فرفع يديه يدعو، فما أعادهما حتى انسكبت سحابة، فشربوا وادّخروا، ثم ارتحلوا، فإذا السحابة لم تخرج عن العسكر.
وتاب اللّه أيضا على الثلاثة الذين خلّفوا، أي تخلفوا عن غزوة تبوك، لا بسبب النفاق، وإنما كسلا وإيثارا للراحة والقعود. وصاروا خلفاء عن الغازين : الذين ذهبوا إلى الغزو، وتأخروا عن المنافقين، فلم يقض فيهم شي ء، وهم المرجون لأمر اللّه، وهم كعب بن مالك الشاعر، وهلال بن أمية الواقفي الذي نزلت فيه آية اللعان، ومرارة بن الربيع العامري، وكلهم من الأنصار، ووصفوا بصفات ثلاث :
ضاقت عليهم الأرض بما رحبت واتسعت بالخلق جميعا، وضاقت صدورهم بسبب الهم والغم، وعلموا ألا ملجأ ولا ملاذ من غضب اللّه إلا بالتوبة. ثم أمر اللّه تعالى المؤمنين أمرا عاما بتقوى اللّه والصدق في القول والعمل. والتقوى : التزام الأوامر واجتناب النواهي، والصدق : الثبات على دين اللّه وشرعه، وتنفيذ أوامره، وطاعة رسوله صلّى اللّه عليه وسلم.
إيجاب الجهاد على أهل المدينة ومن حولها
ليس تكوين الأمة وإقامة الدولة بالأمر الهيّن السهل، وإنما يحتاج لبذل أقصى الجهد في التضحية، والبناء والعمل، ومجاهدة الأعداء ورد غارات المعتدين، والصبر في سبيل ذلك صبرا شديدا، سواء في حال الإقامة، أم في الأسفار، واقتحام


الصفحة التالية
Icon