تفسير الوسيط (الزحيلي)، ج ١، ص : ٩٣٤
و بعد بيان كون المنافقين يموتون كفارا، أوضح اللّه تعالى أنهم يتعرضون أيضا لعذاب الدنيا كل عام مرة أو مرتين، حين يختبرون بالأمر بالجهاد وبأنواع الاختبار العديدة من محنة اجتماعية كالزكاة والقحط والمرض، وهي التي تذكر الإنسان بالله، وتجعله ميالا إلى الإيمان وترك الكفر، ولكنهم مع ذلك لا يتوبون من ذنوبهم السابقة، ولا يتعظون فيما يستقبل من أحوالهم، أفلا يزدجر هؤلاء الذين تفضح سرائرهم كل سنة مرة أو مرتين، ويتذكرون وعد اللّه ووعيده؟! وإذا أنزلت سورة قرآنية فيها فضيحة أسرارهم، تعجبوا وتأملوا وتسللوا من مجلس النبي صلّى اللّه عليه وسلّم، وتلفتوا متغامزين قائلين : هل يراكم الرسول أو المؤمنون إذا خرجتم؟! ثم ينصرفون عن طريق الاهتداء، ويتولون عن الحق، فهذا حالهم في الدنيا لا يثبتون عند الحق ولا يقبلونه ولا يفهمونه، ولا يفهمون شيئا عن اللّه ولا عن رسوله، ومن أعرض عن ساحة الإيمان والخير، أعرض اللّه عنه، وصرف اللّه قلوبهم عن الحق والإيمان، وعن الخير والنور، وهذا إما دعاء عليهم به، أو إخبار عن أحوالهم، وذلك الصرف الإلهي بسبب أنهم قوم لا يفهمون الآيات التي يسمعونها، ولا يريدون فهمها، ولا يتدبرون فيها حتى يفقهوا، بل هم في شغل عن الفهم ونفور منه، كما قال اللّه تعالى : فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف : ٦١/ ٥].
صفات الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم المتعلقة بأمته
ليس من الوفاء ولا من الأخلاق أن يكون هناك تنكر أو مجافاة لدعوة النبي صلّى اللّه عليه وسلم من أمته العربية، فدعوته شرف خالد وعز دائم لهم، وقد جاء بلسانهم العربي، وبما يفهمونه من الأغراض، وبما يعشقونه من الفصاحة والبلاغة، فكان جديرا بهم أن يؤازروه ويبادروا إلى الدخول في دينه، ومناصرته والدفاع عنه، ولقد تميز أهل المدينة