وقال سعيد بن جبير وعطاء ومجاهد إنّ الآية نزلت في الخطبة أمروا بالإنصات لخطبة الإمام يوم الجمعة، وقال عمر بن عبد العزيز: الإنصات لكل واعظ، وقيل: معناه وإذا تلا عليكم الرسول القرآن عند نزوله فاستمعوا له وأنصتوا، وقيل: معنى فاستمعوا له فاعملوا بما فيه ولا تجاوزوه، قال البغوي: والأوّل أولاها وهو أنها في القراءة في الصلاة لأنّ الآية مكية والجمعة وجبت بالمدينة، قال البيضاوي: وظاهر اللفظ يقتضي وجوبهما حيث يقرأ القرآن مطلقاً وعامة العلماء على استحبابهما خارج الصلاة واحتج به من لا يرى وجوب القراءة على المأموم وهو ضعيف، اه. أي: مردود بخبر الصحيحين: «لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب» وقوله تعالى:
﴿واذكر ربك في نفسك﴾ عام في الأذكار من القراءة والدعاء وغيرهما، والمراد بالذكر في النفس أن يستحضر في قلبه عظمة الله تعالى جل جلاله؛ لأنّ الذكر باللسان إذا كان عارياً عن ذكر القلب كان عديم الفائدة؛ لأنّ فائدة الذكر حضور القلب وإشعاره عظمة المذكور تعالى، قال الرازي: سمعت بعض الأكابر من أصحاب القلوب كان إذا أراد أن يأمر واحداً من المريدين بالخلوة والذكر أمره أربعين يوماً بالخلوة والتصفية، ثم عند استكمال هذه المدّة وحصول التصفية الكاملة يقرأ عليه الأسماء التسعة والتسعين، ويقول للمريد: اعتبر حال قلبك عند سماع هذه الأسماء، فكل اسم وجدت قلبك عند سماعه قوي تأثره وعظم تشوّقه، فاعلم أنّ الله تعالى إنما يفتح أبواب المكاشفات عليك بواسطة المواظبة على ذكر ذلك الاسم بعينه، وهذا طريق حسن لطيف في هذا الباب، اه.
وقيل: ذلك أمر للمأموم بالقراءة سراً بعد فراغ الإمام من قراءة الفاتحة كما هو مذهب الشافعي رحمه الله تعالى ﴿تضرعاً﴾ أي: تذللاً ﴿وخيفة﴾ أي: خوفاً منه.
(١٦/٣)