فإن قيل: إنهم احتالوا حتى تخلفوا فكانوا متخلفين. لا مخلفين أجيب: بأنّ من تخلف عن رسول الله ﷺ بعد خروجه إلى الجهاد مع المؤمنين يوصف بأنه مخلف حيث لم ينهض وأقام.
تنبيه: قوله تعالى: ﴿خلاف﴾ فيه قولان:
الأوّل: وهو قول الزجاج بمعنى مخالفة رسول الله ﷺ حين سار وأقاموا قال وهو منصوب لأنه مفعول له والمعنى بأن قعدوا لمخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم
والثاني: قال الأخفش: إن خلاف بمعنى خلف ومعناه بعد رسول الله ﷺ وقوله تعالى: ﴿وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله﴾ تعريض للمؤمنين بتحملهم المشاق لوجه الله تعالى بما فعلوا من بذل أنفسهم وأموالهم وإيثارهم ذلك على السكون والراحة وكره ذلك المنافقون وكيف لا يكرهون وما فيهم ما في المؤمنين من باعث الإيمان وداعي الإيقان ﴿وقالوا﴾ أي: قال بعض المنافقين لبعض أو قالوا للمؤمنين تثبيطاً ﴿لا تنفروا﴾ أي: لا تخرجوا إلى الجهاد ﴿في الحرّ﴾ وكانت غزوة تبوك في شدّة الحر فأجاب الله تعالى عن هذا بقوله تعالى: ﴿قل نار جهنم أشدّ حرّاً لو كانوا يفقهون﴾ أي: يعلمون أنّ بعد هذه الدار داراً أخرى وأن بعد هذه الحياة حياة أخرى وأنّ هذه مشقة منقضية وتلك مشقة باقية ما تخلفوا ولبعضهم

*مسرة أحقاب تلقيت بعدها مساءة يوم اربها شبه الصابي*
*فكيف بأن تلقى مسرة ساعة وراء تقضيها مساءة أحقاب*
وقوله تعالى:
﴿فليضحكوا قليلاً﴾ أي: في الدنيا ﴿وليبكوا كثيراً﴾ أي: في الآخرة ورد بصيغة الأمر ومعناه الإخبار بأنه ستحصل لهم هذه الحالة ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿جزاء بما كانوا يكسبون﴾ أي: أن ذلك البكاء في الآخرة جزاء لهم على ضحكهم وأعمالهم الخبيث في الدنيا.
(١٦/٢١١)


الصفحة التالية
Icon