﴿وجاء المعذرون﴾ بإدغام التاء في الأصل في الذال أي: المعتذرون بمعنى المعذورين ﴿من الأعراب﴾ إلى النبي ﷺ ﴿ليؤذن لهم﴾ في القعود لعذرهم فأذن لهم واختلف في هؤلاء المعذرين فقيل: هم أسد وغطفان قالوا: إنّ لنا عيالاً وإن بنا جهداً فائذن لنا في التخلف، وقيل: هم رهط عامر بن الطفيل قالوا: إن غزونا معك أغارت أعراب طيء على أهالينا ومواشينا فقال ﷺ «سيغنيني الله عنكم» وقيل: نفر من غفار اعتذروا فلم يعذرهم الله، وعن قتادة: اعتذروا بالكذب والاعتذار في كلام العرب على قسمين: يقال: اعتذر إذا كذب في عذره ومنه قوله تعالى: ﴿يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم﴾ (التوبة، ٩٤)
فردّ الله تعالى عيهم بقوله: ﴿قل لا تعتذروا﴾ (التوبة، ٩٤)
فدلّ ذلك على فساد عذرهم وكذبهم فيه. ويقال: اعتذر إذا أتى بعذر صحيح كما في قول لبيد:
*ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر*
يريد: فقد جاء بعذر صحيح. وقيل: هو التعذير الذي هو التقصير، يقال: عذر يعذر إذا قصر ولم يبالغ فعلى هذا المعنى يحتمل أنهم كانوا صادقين في اعتذارهم وأنهم كانوا كاذبين، ومن المفسرين من قال: إنهم كانوا صادقين بدليل أنه تعالى لما ذكره قال بعده: ﴿وقعد الذين كذبوا الله ورسوله﴾ أي: في ادعاء الإيمان من منافقي الأعراب عن المجيء للاعتذار فلما فصل بينهم وميزهم عن الكاذبين دل ذلك على أنهم ليسوا كاذبين.
ويروى عن عمرو بن العلاء أنه لما قيل له هذا الكلام فقال: إن أقواماً تكلفوا عذراً بباطل فهم الذين عناهم الله تعالى بقوله: ﴿وجاء المعذرون﴾ وتخلف الآخرون لا لعذر ولا لشبه عذر جراءة على الله وهم المراد بقوله تعالى: ﴿وقعد الذين كذبوا الله ورسوله﴾ ﴿سيصيب الذين كفروا منهم﴾ أي: من الأعراب أو من المعذرين فإن منهم من اعتذر لكسله لا لكفره ﴿عذاب أليم﴾ في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالنار.
(١٦/٢٢٠)


الصفحة التالية
Icon