﴿لا يزال بنيانهم الذي بنوا﴾ أي: بناؤهم الذي بنوه وهو مصدر كالغفران والمراد هنا المبنى وإطلاق لفظ المصدر على المفعول مجاز مشهور يقال: ضرب الأمير ونسج زيد والمراد مضروبه ومنسوجه وليس بجمع خلافاً للواحدي في تجويزه أن يكون جمع بنيانه لأنه وصف بالمفرد وأخبر عنه بقوله: ﴿ريبة﴾ أي: شكاً ﴿في قلوبهم﴾ والمعنى: إنّ بناء ذلك البنيان صار سبباً لحصول الريبة في قلوبهم فجعل نفس ذلك البنيان ريبة وإنما جعل سبباً للريبة لأنّ المنافقين فرحوا ببناء مسجد الضرار فلما أمر رسول الله ﷺ بتخريبه عظم خوفهم في كل الأوقات وصاروا مرتابين في أنهم هل يتركهم على ما هم فيه أو يأمر بقتلهم ونهب أموالهم، وقال الكلبي: صار حسرة وندامة لأنهم ندموا على بنائه، وقال السدي: لا يزال هدم بنائهم ريبة أي: حرارة وغيظاً في قلوبهم ﴿إلا أن تقطع قلوبهم﴾ قطعاً إمّا بالسيف وإمّا بالموت بحيث لا يبقى لهم قابلية الإدراك وقيل: التقطع بالتوبة ندماً وأسفاً ﴿وا عليم﴾ بأحوالهم وأحوال عباده ﴿حكيم﴾ في الأحوال التي يحكم بها عليهم وعلى غيرهم.
ولما تقدّم الإنكار على المتثاقلين عن النفر في سبيل الله في قوله تعالى: ﴿ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله﴾ الآية، ثم الحزم بالجهاد بالنفس والمال في قوله تعالى: ﴿انفروا خفافاً وثقالاً﴾ الآية ذكر فضيلة الجهاد وحقيقته بقوله تعالى:
﴿إنّ الله اشترى﴾ أي: بعهود أكيدة ومواثيق غليظة شديدة ﴿من المؤمنين﴾ بالله ورسوله وبما جاء به من عند ربه ﴿أنفسهم﴾ التي تفرد بخلقها ﴿وأموالهم﴾ التي تفرد برزقها وهو يملكها دونهم وقدم النفس إشارة إلى أن المبايعة سابقة على اكتساب المال، ولما ذكر البيع أتبعه الثمن بقوله تعالى: ﴿بأنّ لهم الجنة﴾ مثل الله تعالى إثابتهم على بذلهم أنفسهم وأموالهم في سبيله بالشراء.
(١٦/٢٤٧)


الصفحة التالية
Icon