﴿إذاً﴾ أي: لو قاربت الركون الموصوف إليهم ﴿لأذقناك ضعف﴾ عذاب ﴿الحياة وضعف﴾ عذاب ﴿الممات﴾ أي: مثلي ما يعذب غيرك في الدنيا والآخرة وكان أصل الكلام عذاباً ضعفاً في الحياة وعذاباً ضعفاً في الممات ثم حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه ثم أضيفت كما يضاف موصوفها وقيل المراد بضعف الحياة عذاب الآخرة وضعف الممات عذاب القبر، والسبب في تضعيف هذا العذاب أن أقسام نعمة الله تعالى في حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أكثر فكانت ذنوبهم أعظم فكانت العقوبة المستحقة عليها أكثر ونظيره قوله تعالى: ﴿يا نساء النبيّ من يأت منكنّ بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين﴾ (الأحزاب، ٣٠)
وقيل الضعف من أسماء العذاب ﴿ثم لا تجد لك﴾ أي: وإن كنت أعظم الخلق وأعلاهم مرتبة وهمة ﴿علينا نصيراً﴾ أي: مانعاً يمنعك من عذابنا. واختلفوا في سبب نزول قوله تعالى:
﴿وإن﴾ أي: وإن هم ﴿كادوا﴾ أي: الأعداء ﴿ليستفزونك﴾ أي: ليزعجونك بمعاداتهم ﴿من الأرض ليخرجوك منها﴾ فقال ابن عباس: إنّ رسول الله ﷺ لما هاجر إلى المدينة حسدته اليهود وكرهوا قربه منهم، فقالوا: يا أبا القاسم إنّ الأنبياء إنما بعثوا بالشأم وهي بلاد مقدسة وكانت مسكن إبراهيم فلو خرجت إلى الشام آمنا بك وأتبعناك، وقد علمنا أنه لا يمنعك من الخروج إلا خوف الروم فإن كنت رسول الله فالله يمنعك منهم فعسكر رسول الله ﷺ على أميال من المدينة وقيل بذي الحليفة حتى يجتمع إليه أصحابه ويراه الناس عازماً على الخروج إلى الشام فيدخلون في دين الله فنزلت هذه الآية فرجع وهذا قول الكلبيّ وعلى هذا فالآية مدنية والمراد بالأرض أرض المدينة.
(٤/٢٦٧)