﴿ولئن شئنا﴾ أي: ومشيئتنا لا يتعاظمها شيء واللام موطئة للقسم وأجاب عن القسم بما أغنى عن جواب الشرط فقال: ﴿لنذهبنّ﴾ أي: بما لنا من العظمة ذهاباً محققاً ﴿بالذي أوحينا إليك﴾ بأن نمحو حفظه من القلوب وكتابته من الكتب وهذا وإن كان امراً مخالفاً للعادة إلا أنه تعالى قادر عليه. ﴿ثم﴾ أي: بعد الذهاب به ﴿لا تجد لك به علينا وكيلاً﴾ أي: لا تجد من تتوكل عليه في ردّ شيء منه وإعادته مسطوراً محفوظاً. وقوله تعالى:
﴿إلا رحمة من ربك﴾ استثناء متصل لأنه مندرج في قوله وكيلاً. والمعنى إلا أن يرحمك ربك فيردّه عليك أو منقطع فتقدر لكن عند البصريين أو بل رحمة من ربك عند الكوفيين. والمعنى ولكن رحمة من ربك أو بل رحمة من ربك بتركه غير مذهوب به وهذا امتنان من الله تعالى ببقاء القرآن. قال الرازي: وهذا تنبيه على أنّ لله تعالى على جميع العلماء نوعين من المنة أحدهما: تسهيل ذلك العلم عليهم. والثاني: إبقاء حفظه عليهم فعلى كل ذي علم أن لا يغفل عن هاتين النعمتين وعن القيام بشكرهما وهما منة من الله تعالى عليه بحفظ العلم ورسوخه في صدره ومنته عليه في بقاء المحفوظ. فإن قيل: كيف يذهب القرآن وهو كلام الله تعالى؟ أجيب: بأنّ المراد محو ما في المصاحف وإذهاب ما في الصدور. قال عبد الله بن مسعود: اقرؤوا القرآن قبل أن يرفع فإنه لا تقوم الساعة حتى يرفع قيل هذه المصاحف ترفع فكيف ما في صدور الناس قال: يسري عليه ليلاً فيرفع ما في صدورهم فيصبحون لا يحفظون شيئاً ولا يجدون في المصاحف شيئاً ثم يفيضون في الشعر.
(٤/٢٨٩)


الصفحة التالية
Icon