(٨/١٢٢)
وقال بعضهم: هي أمانات الناس والوفاء بالعهود فحق على كل مؤمن أن لا يغش مؤمناً ولا معاهداً في شيء قليل ولا كثير وهي رواية الضحاك عن ابن عباس وجماعة من التابعين وأكثر السلف أن الله تعالى عرض هذه الأمانة على السموات والأرض والجبال فقال لهن: أتحملن هذه الأمانة بما فيها قلن: وما فيها؟ فقال: إن أحسنتن جوزيتن وإن عصيتن عوقبتن ﴿فأبين﴾ على عظم أجرامها وقوة أركانها وسعة أرجائها ﴿أن يحملنها﴾ أي: قلن: لا يا رب نحن مسخرات لأمرك لا نريد ثواباً ولا عقاباً ﴿وأشفقن منها﴾ أي: وقلن ذلك خوفاً وخشية وتعظيماً لله تعالى أن لا يقوموا بها لا معصية ومخالفة، وكان العرض عليهن تخييراً لا إلزاماً ولو ألزمن لم يمتنعن من حملها فالجمادات كلها خاضعة لله عز وجل مطيعة ساجدة له كما قال تعالى للسموات والأرض: ﴿ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين﴾ (فصلت: ١١)
وقال في الحجارة: ﴿وإن منها لما يهبط من خشية الله﴾ (البقرة: ٧٤)
وقال تعالى: ﴿ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال﴾ (الحج: ١٨)
الآية وقال بعض أهل العلم: ركّب الله فيهن العقل والفهم حين عرض عليهن الأمانة حتى عقلن الخطاب وأجبن بما أجبن وقال بعضهم: المراد بالعرض على السموات والأرض هو العرض على أهل السموات والأرض عرضها على من فيهما من الملائكة كقوله تعالى: ﴿واسأل القرية﴾ (يوسف: ٨٢)
أي: أهلها وقيل: المراد المقابلة أي: قابلنا الأمانة مع السماوات والأرض والجبال فرجحت الأمانة قال البغوي: والأول أصح، وهو قول أكثر العلماء.
تنبيه: قوله تعالى: ﴿فأبين﴾ أتى بضمير هذه كضمير الإناث لأن جمع تكسير غير العاقل يجوز فيه ذلك، وإنما ذكر ذلك لئلا يتوهم أنه قد غلب المؤنث وهو السماوات على المذكر وهو الجبال.
فإن قيل: ما الفرق بين إبائهن وإباء إبليس في قوله تعالى: ﴿أبى أن يكون مع الساجدين﴾ (الحجر: ٣١)
(٨/١٢٣)