فإن قيل: هلا جزم المعطوف في قوله: ﴿ثم لا ينصرون﴾؟ أجيب: بأنه عدل به عن حكم الجزاء؛ إلى حكم الإخبار ابتداء كأنه قيل: ثم أخبركم أنهم لا ينصرون والفرق بين رفعه وجزمه في المعنى أنه لو جزم لكان نفي النصر مقيداً بمقاتلتهم كتولية الأدبار وحين رفع كان نفي النصر وعداً مطلقاً كأنه قال: ثم شأنهم وقصتهم التي أخبركم عنها أو أبشركم بها بعد التولية أنهم مخذولون منتف عنهم النصر والقوّة لا ينهضون بعدها بجناح ولا يستقيم لهم أمر كما أخبر عن حال بني قريظة والنضير ويهود خيبر.
فإن قيل: ما معنى التراخي في ثم أجيب: بأنّ معناه التراخي في الرتبة؛ لأنّ الإخبار بتسليط الخذلان عليهم أعظم من الإخبار بتوليتهم الأدبار.
﴿ضربت عليهم الذلة﴾أي: هدر النفس والمال والأهل أو ذل التمسك بالباطل والجزية ﴿أينما ثقفوا﴾ أي: حيثما وجدوا فلا عز لهم ولا اعتصام في سائر أحوالهم ﴿إلا﴾ في حال اعتصامهم ﴿بحبل من الله﴾ أي: بذمّة الله أو كتابه ﴿وحبل من الناس﴾ أي: بذمّة المسلمين أو بدين الإسلام واتباع سبيل المؤمنين أي: لا عز لهم قط إلا هذه الواحدة وهي التجاؤهم إلى الذمّة لما قبلوا من الجزية أو دين الإسلام ﴿وباؤا﴾ أي: رجعوا ﴿بغضب من الله﴾ أي: مستوجبين له ﴿وضربت عليهم المسكنة﴾ كما يضرب البيت على أهله فهم ساكنون في المسكنة غير ظاعنين عنها يظهرون الفقر والمسكنة. وفسر أكثر المفسرين المسكنة بالجزية وهم اليهود عليهم لعنة الله وغضبه قال البيضاوي: واليهود في غالب الأمر فقراء مساكين اه. ﴿ذلك﴾ أي: ضرب الذلة والمسكنة والبوء بالغضب كائن ﴿بأنهم﴾ أي: بسبب أنهم ﴿كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك﴾ أي: الكفر والقتل ﴿بما عصوا وكانوا يعتدون﴾ أي: كائن بسبب عصيانهم واعتدائهم حدود الله تعالى فإنّ الإصرار على الصغائر يقضي إلى الكبائر والإصرار على الكبائر يقضي إلى الكفر والعياذ بالله تعالى.
(٢/٧٩)


الصفحة التالية
Icon