فإن قيل: قد قال تعالى في سورة الأنفال: ﴿إني ممدّكم بألف من الملائكة مردفين﴾ فكيف قال هنا بثلاثة آلاف؟ أجيب: بأنه مدهم أولاً بألف ثم صارت ثلاثة ثم صارت خمسة كما قال تعالى: ﴿إن تصبروا﴾ أي: على لقاء العدوّ ﴿وتتقوا﴾ الله في المخالفة ﴿ويأتوكم﴾ أي: المشركون ﴿من فورهم﴾ أي: من وقتهم ﴿هذا﴾ والفور العجلة والسرعة ومنه فارت القدر اشتدّ غليانها وسارع ما فيها إلى الخروج ﴿يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين﴾ أي: معلمين وقد صبروا واتقوا وأنجز الله وعده بأن قاتل معهم الملائكة على خيل يلف عليهم عمائم صفر أو بيض أرسلوها بين أكتافهم، وعن عرفة بن الزبير: كانت عمامة الزبير يوم بدر صفراء فنزلت الملائكة كذلك، وعن الضحاك معلمين بالصوف الأبيض في نواصي الدواب وأذنابها، وعن مجاهد مجزوزة أذناب خيلهم. قال أكثر المفسرين: إن الملائكة لم تقاتل في غير يوم بدر.
روي أنه ﷺ قال لأصحابه: «تسوموا فإنّ الملائكة قد تسوّمت بالصوف الأبيض في قلانسهم ومغافرهم» وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم بكسر الواو والباقون بفتحها.
(٢/٩١)
﴿وما جعله الله﴾ أي: الإمداد﴿إلا بشرى﴾ أي: بشارة ﴿لكم﴾ أي: بالنصر ﴿ولتطمئن﴾ أي: ولتسكن ﴿قلوبكم به﴾ فلا تجزعوا من كثرة عدوّكم وقلة عددكم كما كانت السكينة لبني إسرائيل بشارة بالنصر وطمأنينة لقلوبهم ﴿وما النصر إلا من عند الله﴾ لا من العدّة والعدد وهو تنبيه على أنه لا حاجة في نصرهم إلى مدد الملائكة وإنما أمدّهم ووعدهم به بشارة لهم وربطاً على قلوبهم من حيث إن نظر العامة إلى الأسباب أكثر ﴿العزيز﴾ الذي لا يغالب ﴿الحكيم﴾ الذي ينصر ويخذل من يشاء بوسط وبغير وسط على مقتضى الحكمة والمصلحة وقوله تعالى: