فإن قيل: فإذا كان البعض هو المخالف فكيف جاء العتاب عاماً بقوله: ﴿وعصيتم﴾ أجيب: بأنّ اللفظ وإن كان عاماً فقد جاء المخصص بعده وهو قوله: ﴿منكم﴾ وقوله تعالى: ﴿ثم صرفكم﴾ أي: ردّكم بالهزيمة ﴿عنهم﴾ أي: الكفار عطف على ما قبله والجملتان من قوله منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة اعتراض بين المتعاطفين وقيل: عطف على جواب إذا المقدّر ﴿ليبتليكم﴾ أي: ليمتحنكم فيظهر المخلص من غيره ﴿ولقد عفا عنكم﴾ ما ارتكبتموه من مخالفة أمر النبيّ ﷺ وميلكم إلى الغنيمة تفضلاً منه تعالى.
فإن قيل: إنّ ظاهر الآية يدل على أنّ الذنب من الصغائر لصحة العفو عنه من غير توبة لقيام الدليل على أن أصحاب الكبائر إذا لم يتوبوا لم يكونوا من أهل العفو والمغفرة أجيب: بأنّ هذا الذنب لا شك أنه كبيرة لأنهم خالفوا صريح نص الرسول ﷺ وصارت تلك المخالفة سبباً لانهزام المسلمين فلا بدّ من إضمار توبتهم ﴿وا﴾ أي: المتفضل المنعم ﴿ذو فضل على المؤمنين﴾ أي: يتفضل عليهم بالعفو أو في الأحوال كلها سواء أجعلت الدولة لهم أم عليهم إذ الإبتلاء أيضاً رحمة وقوله تعالى:
﴿إذ﴾ العامل فيها مضمر أي: اذكر إذ ﴿تصعدون﴾ أي: تبعدون في الأرض هاربين ﴿ولا تلوون﴾ أي: تعرجون ﴿على أحد﴾ أي: لا يقف أحد لأحد ولا ينتظره ﴿والرسول يدعوكم﴾ أي: يقول: إليّ عباد الله إليّ عباد الله أنا رسول الله من يكرّ فله الجنة ﴿في أخراكم﴾ أي: من ورائكم ﴿فأثابكم﴾ أي: جازاكم ﴿غماً﴾بالهزيمة ﴿بغمّ﴾ أي: بسبب غمكم الرسول بالمخالفة. وقيل: الباء بمعنى على أي: مضاعفاً على غمّ فوت الغنيمة.
(٢/١١٧)