تنبيه: هذه الآية تدل على أنّ جميع المحدثات خلق الله تعالى بقضائه وقدره؛ لأنّ المنافقين قالوا: لو أنّ محمداً قبل منا رأينا ونصحنا لما وقع في هذه المحنة، فأجابهم الله تعالى بأنّ الأمر كله لله. وهذا إنما ينتظم إذا كانت أفعال العباد بقضائه وقدره، إذ لو كانت خارجة عن مشيئته لم يكن هذا الجواب رافعاً لشبهة المنافقين وقوله تعالى: ﴿يخفون في أنفسهم ما لا يبدون﴾ أي: يظهرون ﴿لك﴾ حال من ضمير يقولون، وقل إنّ الأمر كله لله اعتراض بين الحال وذي الحال أي: يقولون مظهرين أنهم مسترشدون طالبون للنصر مبطنين الإنكار والتكذيب وقوله تعالى: ﴿يقولون﴾ بيان لما قبله ﴿لو كان لنا من الأمر شيء﴾ أي: كما وعد محمد وزعم أنّ الأمر كله لله ولأوليائه أو لو كان الإختيار إلينا لم نخرج كما كان رأي ابن أبيّ وغيره ﴿ما قتلنا ههنا﴾ أي: لما غلبنا ولما قتل من قتل منا في هذه المعركة.
﴿قل﴾ لهم ﴿لو كنتم في بيوتكم﴾ وفيكم من كتب الله تعالى عليه القتل ﴿لبرز﴾ أي: خرج ﴿الذين كتب﴾ أي: قضى ﴿عليهم القتل﴾ منكم ﴿إلى مضاجعهم﴾ أي: مصارعهم فيقتلوا ولم ينجهم قعودهم؛ لأنّ قضاء الله تعالى كائن لا محالة فإنه قدر الأمور ودبرها في سابق قضائه لا معقب لحكمه وقرأ أبو عمرو وحفص وورش بضم الباء في بيوتكم والباقون بالكسر قوله تعالى: ﴿وليبتلي﴾ أي: ليختبر ﴿الله ما في صدوركم﴾ أي: قلوبكم من الإخلاص والنفاق علة فعل محذوف تقديره فرض الله عليكم القتال ولم ينصركم يوم أحد ليبتلي وقيل: معطوف على علة محذوفة تقديره ليقضي الله أمره وليبتلي وقوله تعالى: ﴿وليمحص ما في قلوبكم﴾ فيه وجهان: أحدهما: إنّ هذه الواقعة تخرج ما في قلوبكم من الوساوس والشبهات وتظهرها والثاني: إنها تصير كغارة لذنوبكم فيمحصكم من تبعات المعاصي والسيئات.
(٢/١٢٤)