﴿لقد منّ الله على المؤمنين﴾ أي: أنعم على من آمن مع النبيّ ﷺ ووجه هذه المنة أن الرسول ﷺ يدعوهم إلى ما يخلصهم من عقاب الله تعالى ويوصلهم إلى ثوابه كقوله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ (الأنبياء، ١٠٧)
فإن قيل: لم خصهم بالنعمة مع أن البعثة عامّة؟ أجيب: بأنهم هم المنتفعون بها كقوله تعالى: ﴿هدى للمتقين﴾ ﴿إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم﴾ أي: من جنسهم عربياً مثلهم ليفهموا كلامه بسهولة ويكونوا واقفين على أحواله في الصدق والأمانة، فكان ذلك أقرب لهم إلى تصديقه والوثوق به ويشرفوا به لا ملكاً ولا عجمياً وقرىء شاذاً من أنفسهم بفتح الفاء أي: من أشرفهم؛ لأنه كان من أشرف قبائل العرب وبطونهم وقد خطب أبو طالب لما تزوّج ﷺ خديجة رضي الله تعالى عنها وقد حضر معه بنو هاشم ورؤساء مضر، فقال: الحمد لله الذي جعلنا من ذريّة إبراهيم وزرع إسمعيل وضئضىء معد وعنصر مضر وجعلنا حضنة بيته وسواس حرمه وجعل لنا بيتاً محجوجاً وحرماً آمنا وجعلنا الحكام على الناس ثم إنّ ابن أخي هذا محمد بن عبد الله من لا يوزن به فتى من قريش الإرجح به، وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم وخطر جليل. ولم أذكر في التفسير قراءة شاذة إلا هذه لكونها في شرف الرسول ﷺ وقراءة السيدة فاطمة رضي الله تعالى عنها ﴿يتلو عليهم آياته﴾ أي: القرآن بعدما كانوا جهالاً لم يسمعوا الوحي ﴿ويزكيهم﴾ أي: ويطهرهم من دنس الطباع وسوء العقائد والأعمال ﴿ويعلمهم الكتاب﴾ أي: القرآن ﴿والحكمة﴾ أي: السنة من بعدما كانوا من أجهل الناس وأبعدهم من دراسة العلوم كما قال تعالى: ﴿وإن كانوا من قبل﴾ أي: قبل بعثته ﷺ ﴿لفي ضلال مبين﴾ أي: بين ظاهر.
(٢/١٣٥)