فقوله: ﴿وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ... ﴾ [المائدة: ١١٨] يقتضي أن يقول: فإنك غفور رحيم، لكن الحق سبحانه عدل إلى ﴿فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم﴾ [المائدة: ١١٨] لأن الذنب الذي وقع فيه القوم ذنب في القمة، في الألوهية التي أخذوها من الله وجعلوها لعيسى عليه السلام، وهذا بمقتضى العقل يستوجب العذاب الشديد، لكن الحق سبحانه لا يُسأل عما يفعل، يُعذِّب مَنْ يشاء، ويغفر لمَنْ يشاء، فإنْ غفر لهم فبصفة العزة التي لا يعارضها أحد، فكأن المنطق أن يُسأل الله: لماذا لم تُعذِّب هؤلاء على ما ارتكبوه؟ لذلك دخل هنا من ناحية العزة، التي لا تُعارَض، والحكمة التي لا تخطيء.
وبعد أن ذكر الحق سبحانه مسألة الفاحشة، وما يترتب عليها من عقاب ذكر سبحانه المقابل، فقال تعالى: ﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للَّهِ وَرَسُولِهِ....﴾.
معنى ﴿يَقْنُتْ... ﴾ [الأحزاب: ٣١] أي: يخضع لله تعالى الخضوع التام، ويخشع ويتذلَّل لله في دعائه، واختار الحق سبحانه القنوت؛ لأنه سبحانه لا يحب من الطائع أنْ يُدِلَّ على الناس بطاعته؛ لذلك يقول العارفون: رُبَّ معصية أورثت ذلاً وانكساراً، خير من طاعة أورثتْ عِزَّاً واستكباراً.


الصفحة التالية
Icon