فِي لِسَانِ الشَّرَائِعِ تَعْبِيرًا عَنِ الْمَعَانِي الْعَالِيَةِ بِأَقْصَى مَا تَسْمَحُ بِهِ اللُّغَاتُ مَعَ اعْتِقَادِ تَنْزِيهِ اللَّهِ عَنْ أَعْرَاضِ الْمَخْلُوقَاتِ بِالدَّلِيلِ الْعَامِّ عَلَى التَّنْزِيهِ وَهُوَ مَضْمُونُ قَوْلِ الْقُرْآنِ:
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١] فَأَهْلُ الْإِيمَانِ إِذَا سَمِعُوا أَوْ أَطْلَقُوا وَصْفَيِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لَا يَفْهَمُونَ مِنْهُ حُصُولَ ذَلِكَ الِانْفِعَالِ الْمَلْحُوظِ فِي حَقِيقَةِ الرَّحْمَةِ فِي مُتَعَارَفِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ لِسُطُوعِ أَدِلَّةِ تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعَالَى عَنِ الْأَعْرَاضِ، بَلْ إِنَّهُ يُرَادُ بِهَذَا الْوَصْفِ فِي جَانِبِ اللَّهِ تَعَالَى إِثْبَاتُ الْغَرَضِ الْأَسْمَى مِنْ حَقِيقَةِ الرَّحْمَةِ وَهُوَ صُدُورُ آثَارِ الرَّحْمَةِ مِنَ الرِّفْقِ وَاللُّطْفِ وَالْإِحْسَانِ وَالْإِعَانَةِ لِأَنَّ مَا عَدَا ذَلِكَ مِنَ الْقُيُودِ الْمَلْحُوظَةِ فِي مُسَمَّى الرَّحْمَةِ فِي مُتَعَارَفِ النَّاسِ لَا أَهَمِّيَّةَ لَهُ لَوْلَا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ بِدُونِهِ حُصُولُ آثَارِهِ فِيهِمْ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَرْءَ قَدْ يَرْحَمُ أَحَدًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُ نَفْعًا لِعَجْزٍ أَوْ نَحْوِهِ.
وَقَدْ أَشَارَ إِلَى مَا قُلْنَاهُ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ فِي «الْمَقْصِدِ الْأَسْنَى» بِقَوْلِهِ: «الَّذِي يُرِيدُ قَضَاءَ حَاجَةِ الْمُحْتَاجِ وَلَا يَقْضِيهَا فَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى قَضَائِهَا لَمْ يُسَمَّ رَحِيمًا إِذْ لَوْ تَمَّتِ الْإِرَادَةُ لَوَفَى بِهَا وَإِنْ كَانَ عَاجِزًا فَقَدْ يُسَمَّى رَحِيمًا بِاعْتِبَارِ مَا اعْتَوَرَهُ مِنَ الرَّحْمَةِ وَالرِّقَّةِ وَلَكِنَّهُ نَاقِصٌ». وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّ إِطْلَاقَ نَحْوِ هَذَا الْوَصْفِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى لَيْسَ مِنَ الْمُتَشَابِهِ لِتَبَادُرِ الْمَعْنَى الْمُرَادِ مِنْهُ بِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهِ وَتَحَقُّقِ تنزه الله عَن لَوَازِمِ الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ فِي الْوَضْعِ مِمَّا لَا يَلِيقُ بِجَلَالِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا نُطْلِقُ الْعَلِيمَ عَلَى اللَّهِ مَعَ التَّيَقُّنِ بِتَجَرُّدِ عِلْمِهِ عَنِ
الْحَاجَةِ إِلَى النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ وَسَبْقِ الْجَهْلِ، وَكَمَا نُطْلِقُ الْحَيَّ عَلَيْهِ تَعَالَى مَعَ الْيَقِينِ بِتَجَرُّدِ حَيَاتِهِ عَنِ الْعَادَةِ وَالتَّكَوُّنِ، وَنُطْلِقُ الْقُدْرَةَ مَعَ الْيَقِينِ بِتَجَرُّدِ قُدْرَتِهِ عَنِ الْمُعَالَجَةِ وَالِاسْتِعَانَةِ.
فَوَصْفُهُ تَعَالَى بِالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنَ الْمَنْقُولَاتِ الشَّرْعِيَّةِ فَقَدْ أَثْبَتَ الْقُرْآنُ رَحْمَةَ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ:
وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الْأَعْرَاف: ١٥٦] فَهِيَ مَنْقُولَةٌ فِي لِسَانِ الشَّرْعِ إِلَى إِرَادَةِ اللَّهِ إِيصَالَ الْإِحْسَانِ إِلَى مَخْلُوقَاتِهِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَغَالِبُ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ.
وَأَمَّا الْمُتَشَابِهُ فَهُوَ مَا كَانَتْ دَلَالَتُهُ عَلَى الْمَعْنَى الْمُنَزَّهِ عَنْهُ أَقْوَى وَأَشَدَّ وَسَيَأْتِي فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ [٧] عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ. وَالَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» وَكَثِيرٌ مِنَ الْمُحَقِّقين أَن الرَّحْمَن صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ كَغَضْبَانَ وَبِذَلِكَ مَثَّلَهُ فِي «الْكَشَّافِ».
وَفِعْلُ رَحِمَ وَإِنْ كَانَ مُتَعَدِّيًا وَالصِّفَةُ الْمُشَبَّهَةُ إِنَّمَا تُصَاغُ مِنْ فِعْلٍ لَازِمٍ إِلَّا أَنَّ الْفِعْلَ الْمُتَعَدِّيَ إِذَا صَارَ كَالسَّجِيَّةِ لِمَوْصُوفِهِ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ أَفْعَالِ الْغَرَائِزِ فَيُحَوَّلُ مِنْ فَعَلَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ أَوْ كَسْرِهَا إِلَى فَعُلَ بِضَمِّ الْعَيْنِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُ صَارَ سَجِيَّةً كَمَا قَالُوا فَقُهَ الرَّجُلُ وَظَرُفَ وَفَهُمَ، ثُمَّ تُشْتَقُّ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ الصِّفَةُ الْمُشَبَّهَةٌ، وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ فِي الْكَلَامِ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ هَذَا التَّحْوِيلُ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ
السَّنَةُ تَنْقَسِمُ إِلَى سِتَّةِ فُصُولٍ كُلُّ فَصْلٍ مِنْهَا شَهْرَانِ: الْفَصْلُ الْأَوَّلُ الْخَرِيفُ وَشَهْرَاهُ مُحَرَّمٌ وَصَفَرٌ، الثَّانِي رَبِيعٌ الْأَوَّلُ وَهُوَ وَقْتُ نُضْجِ الثِّمَارِ وَظُهُورِ الرُّطَبِ وَالتَّمْرِ وَشَهَرَاهُ شَهْرُ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَشَهْرُ رَبِيعٍ الثَّانِي عَلَى أَنَّ الْأَوَّلَ وَالثَّانِيَ وَصْفٌ لِشَهْرٍ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَرَبَ يَقُولُونَ «الرُّطَبُ شَهْرَيْ رَبِيعٍ»، الثَّالِثُ الشِّتَاءُ وَشَهْرَاهُ جُمَادَى الْأُولَى وَجُمَادَى الثَّانِيَةُ قَالَ حَاتِمٌ:

فِي لَيْلَةٍ مِنْ جُمَادَى ذَاتِ أَنْدِيَةٍ لَا يُبْصِرُ الْكَلْبُ من ظلمائها الظّنبا
لَا يَنْبَحُ الْكَلْبُ فِيهَا غَيْرَ وَاحِدَةٍ حَتَّى يَلُفَّ عَلَى خَيْشُومِهِ الذَّنَبَا
الرَّابِعُ الرَّبِيعُ الثَّانِي- وَالثَّانِي وَصْفٌ لِلرَّبِيعِ- وَهَذَا هُوَ وَقْتُ ظُهُورِ النَّوْرِ وَالْكَمْأَةِ وَشَهْرَاهُ رَجَبٌ وَشَعْبَانُ، وَهُوَ فَصْلُ الدَّرِّ وَالْمَطَرِ قَالَ النَّابِغَةُ يَذْكُرُ غَزَوَاتِ النُّعْمَانِ ابْن الْحَارِثِ:
وَكَانَتْ لَهُمْ رِبْعِيَّةٌ يَحْذَرُونَهَا إِذَا خَضْخَضَتْ مَاءَ السَّمَاءِ الْقَبَائِلُ
وَسَمَّوْهُ الثَّانِيَ لِأَنَّهُ يَجِيءُ بَعْدَ الرَّبِيعِ الْأَوَّلِ فِي حِسَابِ السَّنَةِ، قَالَ النَّابِغَةُ:
فَإِنْ يَهْلِكْ أَبُو قَابُوسَ يَهْلِكْ رَبِيعُ الثَّانِ وَالْبَلَدُ الْحَرَامُ
فِي رِوَايَة وراوي «رَبِيعُ النَّاسِ»، وَسَمَّوْا كُلًّا مِنْهُمَا رَبِيعًا لِأَنَّهُ وَقْتُ خَصْبٍ، الْفَصْلُ الْخَامِسُ، الصَّيْفُ وَهُوَ مَبْدَأُ الْحَرِّ وَشَهْرَاهُ رَمَضَانُ وَشَوَّالٌ، لِأَنَّ النُّوقَ تَشُولُ أَذْنَابَهَا فِيهِ تَطْرِدُ الذُّبَابَ. السَّادِسُ الْقَيْظُ وَشَهْرَاهُ ذُو الْقِعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ.
وَبَعْضُ الْقَبَائِلِ تُقَسِّمُ السَّنَةَ إِلَى أَرْبَعَةٍ، كُلُّ فَصْلٍ لَهُ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَهِيَ الرَّبِيعُ وَشُهُورُهُ رَجَبٌ وَشَعْبَانُ وَرَمَضَانُ، وَالصَّيْفُ وَشُهُورُهُ شَوَّالٌ وَذُو الْقِعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْخَرِيفُ وَشُهُورُهُ مُحَرَّمٌ وَصَفَرٌ وَالرَّبِيعُ الْأَوَّلُ، وَالشِّتَاءُ وَشُهُورُهُ شَهْرُ رَبِيعٍ الثَّانِي- عَلَى أَنَّ الْأَوَّلَ وَالثَّانِيَ وَصْفَانِ لِشَهْرٍ لَا لِرَبِيعٍ- وَجُمَادَى الْأُولَى وَجُمَادَى الثَّانِيَةُ.
وَلَمَّا كَانَتْ أَشْهُرُ الْعَرَبِ قَمَرِيَّةً وَكَانَتِ السَّنَةُ الْقَمَرِيَّةُ أَقَلَّ مِنْ أَيَّامِ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ الَّتِي
تَجِيءُ بِهَا الْفُصُولُ تَنْقُصُ أَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا وَكَسْرًا، وَرَامُوا أَنْ يَكُونَ الْحَجُّ فِي وَقْتِ الْفَرَاغِ مِنَ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ وَوَقْتِ السَّلَامَةِ مِنَ الْبَرْدِ وَشِدَّةِ الْحَرِّ جَعَلُوا لِلْأَشْهُرِ كَبْسًا بِزِيَادَةِ شَهْرٍ فِي السَّنَةِ بَعْدَ ثَلَاثِ سِنِينَ وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالنَّسِيءِ.
وَرَاءَهُ الْمَغْرِبَ فَقَامَ فِي الثَّالِثَةِ فَدَنَوْتُ مِنْهُ حَتَّى إِنَّ ثِيَابِي لَتَكَادُ تَمَسُّ ثِيَابَهُ فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَهَذِهِ الْآيَةِ: رَبَّنا لَا تُزِغْ قُلُوبَنا الْآيَةَ.
فَزَيْغُ الْقَلْبِ يَتَسَبَّبُ عَنْ عَوَارِضَ تَعْرِضُ لِلْعَقْلِ: مِنْ خَلَلٍ فِي ذَاتِهِ، أَوْ دَوَاعٍ مِنَ الْخُلْطَةِ أَوِ الشَّهْوَةِ، أَوْ ضَعْفِ الْإِرَادَةِ، تَحَوَّلُ بِالنَّفْسِ عَنِ الْفَضَائِلِ الْمُتَحَلِّيَةِ بِهَا إِلَى رَذَائِلَ كَانَتْ تَهْجِسُ بِالنَّفْسِ فَتَذُودُهَا النَّفْسُ عَنْهَا بِمَا اسْتَقَرَّ فِي النَّفْسِ مِنْ تَعَالِيمِ الْخَيْرِ الْمُسَمَّاةِ بِالْهُدَى، وَلَا يَدْرِي الْمُؤْمِنُ، وَلَا الْعَاقِلُ، وَلَا الْحَكِيمُ، وَلَا الْمُهَذَّبُ: أَيَّةَ سَاعَةٍ تَحُلُّ فِيهَا بِهِ أَسْبَابُ الشَّقَاءِ، وَكَذَلِكَ لَا يَدْرِي الشَّقِيُّ، وَلَا الْمُنْهَمِكُ، الْأَفِنُ: أَيَّةَ سَاعَةٍ تَحُفُّ فِيهَا بِهِ أَسْبَابُ الْإِقْلَاعِ عَمَّا هُوَ مُتَلَبِّسٌ بِهِ مِنْ تَغَيُّرِ خَلْقٍ، أَوْ خُلُقٍ، أَوْ تَبَدُّلِ خَلِيطٍ، قَالَ تَعَالَى:
وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ [الْأَنْعَام: ١١٠] وَلِذَا كَانَ دَأْبُ الْقُرْآنِ قَرْنَ الثَّنَاءِ بِالتَّحْذِيرِ، وَالْبِشَارَةِ بِالْإِنْذَارِ.
وَقَوْلُهُ: بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا تَحْقِيقٌ لِلدَّعْوَةِ عَلَى سَبِيلِ التَّلَطُّفِ إِذْ أَسْنَدُوا الْهُدَى إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَكَانَ ذَلِكَ كَرَمًا مِنْهُ، وَلَا يَرْجِعُ الْكَرِيمُ فِي عَطِيَّتِهِ، وَقَدِ استعاذ النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ
السَّلْبِ بَعْدَ الْعَطَاءِ.
وَإِذ اسْمٌ لِلزَّمَنِ الْمَاضِي مُتَصَرِّفٌ، وَهِيَ هُنَا مُتَصَرِّفَةٌ تَصَرُّفًا قَلِيلًا لِأَنَّهَا لَمَّا أُضِيفَ إِلَيْهَا الظَّرْفُ، كَانَتْ فِي معنى الظروف، وَلَمَّا كَانَتْ غَيْرَ مَنْصُوبَةٍ كَانَتْ فِيهَا شَائِبَةُ تَصَرُّفٍ، كَمَا هِيَ فِي يَوْمَئِذٍ وَحِينَئِذٍ، أَيْ بَعْدَ زَمَنِ هِدَايَتِكَ إِيَّانَا.
وَقَوْلُهُ: وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً طَلَبُوا أَثَرَ الدَّوَامِ عَلَى الْهُدَى وَهُوَ الرَّحْمَةُ، فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْعَ دَوَاعِي الزَّيْغِ وَالشَّرِّ. وَجُعِلَتِ الرَّحْمَةُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِأَنَّ تَيْسِيرَ أَسْبَابِهَا، وَتَكْوِينَ مُهَيِّئَاتِهَا، بِتَقْدِيرِ اللَّهِ إِذْ لَوْ شَاءَ لَكَانَ الْإِنْسَانُ مُعَرَّضًا لِنُزُولِ الْمَصَائِبِ وَالشُّرُورِ فِي كُلِّ لَمْحَةٍ فَإِنَّهُ مَحْفُوفٌ بِمَوْجُودَاتٍ كَثِيرَةٍ، حَيَّةٍ وَغَيْرِ حَيَّةٍ، هُوَ تِلْقَاءَهَا فِي غَايَةِ الضَّعْفِ، لَوْلَا لُطْفُ اللَّهِ بِهِ بِإِيقَاظِ عَقْلِهِ لِاتِّقَاءِ الْحَوَادِثِ، وَبِإِرْشَادِهِ لِاجْتِنَابِ أَفْعَالِ الشُّرُورِ الْمُهْلِكَةِ، وَبِإِلْهَامِهِ إِلَى مَا فِيهِ نَفْعُهُ، وَبِجَعْلِ تِلْكَ الْقُوَى الْغَالِبَةِ لَهُ قُوَى عَمْيَاءَ لَا تَهْتَدِي سَبِيلًا إِلَى قَصْدِهِ، وَلَا تُصَادِفُهُ إِلَّا عَلَى سَبِيلِ النُّدُورِ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ [الشورى: ١٩] وَمِنْ أَجْلَى مَظَاهِرِ اللُّطْفِ أَحْوَالُ الِاضْطِرَارِ وَالِالْتِجَاءِ وَقَدْ كُنْتُ قُلْتُ كَلِمَةَ «اللُّطْفُ عِنْدَ الِاضْطِرَارِ».
وَقَوْلُهُمْ: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ كَلِمَةٌ لَعَلَّهُمْ أُلْهَمُوهَا أَوْ تَلَقَّوْهَا عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَحَسْبُ أَيْ كَافٍ، وَهُوَ اسْمٌ جَامِدٌ بِمَعْنَى الْوَصْفِ لَيْسَ لَهُ فِعْلٌ، قَالُوا: وَمِنْهُ اسْمُهُ تَعَالَى الْحَسِيبُ، فَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مُفْعِلٍ. وَقِيلَ: الْإِحْسَابُ هُوَ الْإِكْفَاءُ، وَقِيلَ: هُوَ اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنَى كَفَى، وَهُوَ ظَاهِرُ الْقَامُوسِ. وَرَدَّهُ ابْنُ هِشَامٍ فِي تَوْضِيحِهِ بِأَنَّ دُخُولَ الْعَوَامِلِ عَلَيْهِ نَحْوَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ، وَقَوْلهمْ: بحسبك دِرْهَمٌ، يُنَافِي دَعْوَى كَوْنِهِ اسْمَ فِعْلٍ لِأَنَّ أَسْمَاءَ الْأَفْعَالِ لَا تَدْخُلُ عَلَيْهَا الْعَوَامِلُ، وَقِيلَ: هُوَ مَصْدَرٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ سِيبَوَيْهِ. وَهُوَ مِنَ الْأَسْمَاءِ اللَّازِمَةِ لِلْإِضَافَةِ لَفْظًا دُونَ مَعْنًى، فَيُبْنَى عَلَى الضَّمِّ مِثْلُ: قَبْلُ وَبَعْدُ، كَقَوْلِهِم:
أعْطه درهيمن فَحَسْبُ، وَيَتَجَدَّدُ لَهُ مَعْنَى حِينَئِذٍ فَيَكُونُ بِمَعْنَى لَا غَيْرَ. وَإِضَافَتُهُ لَا تفيده تعريفا لِأَنَّهُ فِي قُوَّةِ الْمُشْتَقِّ وَلِذَلِكَ تُوصَفُ بِهِ النَّكِرَةُ، وَهُوَ مُلَازِمُ الْإِفْرَادِ وَالتَّذْكِيرِ فَلَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَعُ وَلَا يُؤَنَّثُ لِأَنَّهُ لَجُمُودِهِ شَابَهَ الْمَصْدَرَ، أَوْ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ اسْمَ فِعْلٍ فَهُوَ كَالْمَصْدَرِ، أَوْ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ، وَهُوَ شَأْنُ الْمَصَادِرِ، وَمَعْنَاهَا: إِنَّهُمُ اكْتَفَوْا بِاللَّهِ نَاصِرًا وَإِنْ كَانُوا فِي قِلَّةٍ وَضَعْفٍ.
وَجُمْلَةُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى حَسْبُنَا اللَّهُ فِي كَلَامِ الْقَائِلِينَ، فَالْوَاوُ مِنَ الْمَحْكِيِّ لَا مِنَ الْحِكَايَةِ، وَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْإِنْشَاءِ عَلَى الْخَبَرِ الَّذِي لَا تُطْلَبُ فِيهِ إِلَّا
الْمُنَاسَبَةُ. وَالْمَخْصُوصُ بِالْمَدْحِ مَحْذُوفٌ لِتَقَدُّمِ دَلِيلِهِ.
والْوَكِيلُ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ أَيْ مَوْكُولٍ إِلَيْهِ. يُقَالُ: وَكَلَ حَاجَتَهُ إِلَى فُلَانٍ إِذَا اعْتَمَدَ عَلَيْهِ فِي قَضَائِهَا وَفَوَّضَ إِلَيْهِ تَحْصِيلَهَا، وَيُقَالُ لِلَّذِي لَا يَسْتَطِيع الْقيام بشؤونه بِنَفْسِهِ:
رَجُلٌ وَكَلٌ- بِفَتْحَتَيْنِ- أَيْ كَثِيرُ الِاعْتِمَادِ عَلَى غَيْرِهِ، فَالْوَكِيلُ هُوَ الْقَائِمُ بِشَأْنِ مَنْ وَكَّلَهُ، وَهَذَا الْقِيَامُ بِشَأْنِ الْمُوَكِّلِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ الْمُوَكَّلِ فِيهَا، وَبِذَلِكَ الِاخْتِلَافِ يَخْتَلِفُ مَعْنَى الْوَكِيلُ، فَإِنْ كَانَ الْقِيَامُ فِي دَفْعِ الْعَدَاءِ وَالْجَوْرِ فَالْوَكِيلُ النَّاصِرُ وَالْمُدَافِعُ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ [الْأَنْعَام: ٦٦]، وَمِنْهُ فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا
[النِّسَاء: ١٠٩]. وَمِنْهُ الْوَكِيلُ فِي الْخُصُومَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي شؤون الْحَيَاةِ فَالْوَكِيلُ الْكَافِلُ وَالْكَافِي مِنْهُ:
لَا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ [الْحَشْر: ٢٠]. وَإِذْ قَدْ كَانَ وَجْهُ التَّفَاضُلِ مَعْلُومًا فِي أَكْثَرِ مَوَاقِعِ أَمْثَالِ هَذَا التَّرْكِيبِ، صَارَ فِي الْغَالِبِ أَمْثَالُ هَذَا التَّرْكِيبِ مُسْتَعْمَلَةً فِي مَعْنَى الْكِنَايَةِ، وَهُوَ التَّعْرِيضُ بِالْمَفْضُولِ فِي تَفْرِيطِهِ
وَزُهْدِهِ فِيمَا هُوَ خَيْرٌ مَعَ الْمُكْنَةِ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ هُوَ هُنَا لِظُهُورِ أَنَّ الْقَاعِدَ عَنِ الْجِهَادِ لَا يُسَاوِي الْمُجَاهِدَ فِي فَضِيلَةِ نُصْرَةِ الدِّينِ، وَلَا فِي ثَوَابِهِ عَلَى ذَلِكَ، فَتَعَيَّنَ التَّعْرِيضُ بِالْقَاعِدِينَ وَتَشْنِيعُ حَالِهِمْ. وَبِهَذَا يَظْهَرُ مَوْقِعُ الِاسْتِثْنَاءِ بِقَوْلِهِ: غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ كَيْلَا يَحْسَبَ أَصْحَابُ الضَّرَرِ أَنَّهُمْ مَقْصُودُونَ بِالتَّحْرِيضِ فَيَخْرُجُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَيُكَلِّفُوهُمْ مَؤُونَةَ نَقْلِهِمْ وَحِفْظِهِمْ بِلَا جَدْوَى، أَوْ يَظُنُّوا أَنَّهُمْ مَقْصُودُونَ بِالتَّعْرِيضِ فَتَنْكَسِرُ لِذَلِكَ نُفُوسُهُمْ، زِيَادَةً عَلَى انْكِسَارِهَا بِعَجْزِهِمْ، وَلِأَنَّ فِي اسْتِثْنَائِهِمْ إِنْصَافًا لَهُمْ وَعُذْرًا بِأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا قَادِرِينَ لَمَا قَعَدُوا، فَذَلِكَ الظَّنُّ بِالْمُؤْمِنِ، وَلَوْ كَانَ الْمَقْصُودُ صَرِيحَ الْمَعْنَى لَمَا كَانَ لِلِاسْتِثْنَاءِ مَوْقِعٌ. فَاحْفَظُوا هَذَا فَالِاسْتِثْنَاءُ مَقْصُودٌ، وَلَهُ مَوْقِعٌ من البلاغة لايضاع، وَلَوْ لَمْ يُذْكَرُ الِاسْتِثْنَاءُ لَكَانَ تَجَاوُزُ التَّعْرِيضِ أَصْحَاب الضَّرَر مَعْلُومَات فِي سِيَاقِ الْكَلَامِ فَالِاسْتِثْنَاءُ عُدُولٌ عَنِ الِاعْتِمَادِ عَلَى الْقَرِينَةِ إِلَى التَّصْرِيحِ بِاللَّفْظِ. وَيَدُلُّ لِهَذَا مَا
فِي «الصَّحِيحَيْنِ»، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ. أَنَّهُ قَالَ: نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَأَنَا إِلَى جَنْبِهِ ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقَالَ:
اكْتُبْ، فَكَتَبْتُ فِي كَتِفٍ (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ)، وَخَلْفَ النَّبِيءِ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أَسْتَطِيعُ الْجِهَادَ لَجَاهَدْتُ، فَنَزَلَتْ مَكَانَهَا لَا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
الْآيَةَ. فَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَهِمَ الْمَقْصُودَ مِنْ نَفْيِ الِاسْتِوَاءِ فَظَنَّ أَنَّ التَّعْرِيضَ يَشْمَلُهُ وَأَمْثَالَهُ، فَإِنَّهُ مِنَ الْقَاعِدِينَ، وَلِأَجْلِ هَذَا الظَّنِّ عَدَلَ عَنْ حِرَاسَةِ الْمَقَامِ إِلَى صَرَاحَةِ الْكَلَامِ، وَهُمَا حَالَانِ مُتَسَاوِيَانِ فِي عُرْفِ الْبُلَغَاءِ، هُمَا حَالُ مُرَاعَاةِ خِطَابِ الذَّكِيِّ وَخِطَابِ الْغَبِيِّ، فَلِذَلِكَ لَمْ تَكُنْ زِيَادَةُ الِاسْتِثْنَاءِ مُفِيتَةً مُقْتَضَى حَالٍ مِنَ الْبَلَاغَةِ، وَلَكِنَّهَا مُعَوِّضَتُهُ بِنَظِيرِهِ لِأَنَّ السَّامِعِينَ أَصْنَافٌ كَثِيرَةٌ.
وَقَرَأَ نَافِعٌ، وَابْنُ عَامِرٍ، وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَخَلَفٌ: غَيْرُ- بِنَصْبِ الرَّاءِ- عَلَى الْحَالِ مِنَ الْقاعِدُونَ، وَقَرَأَهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَعَاصِمٌ، وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَيَعْقُوبُ- بِالرَّفْعِ- عَلَى النَّعْتِ لِ الْقاعِدُونَ.
قُرْبَانًا وَلَيْسَ هُوَ
قُرْبَانًا مُشْتَرَكًا. وَلَمْ يُسَمِّ اللَّهُ تَعَالَى الْمُتَقَبَّلَ مِنْهُ وَالَّذِي لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْهُ إِذْ لَا جَدْوَى لِذَلِكَ فِي مَوْقِعِ الْعِبْرَةِ. وَإِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى قَتْلِ أَخِيهِ حَسَدُهُ عَلَى مَزِيَّةِ الْقَبُولِ. وَالْحَسَدُ أَوَّلُ جَرِيمَةٍ ظَهَرَتْ فِي الْأَرْضِ.
وَقَوْلُهُ فِي الْجَوَابِ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ مَوْعِظَةٌ وَتَعْرِيضٌ وَتَنَصُّلٌ مِمَّا يُوجِبُ قَتْلَهُ. يَقُولُ: الْقَبُولُ فِعْلُ اللَّهِ لَا فِعْلُ غَيْرِهِ، وَهُوَ يَتَقَبَّلُ مِنَ الْمُتَّقِي لَا مِنْ غَيْرِهِ. يُعَرِّضُ بِهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِتَقِيٍّ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَتَقَبَّلِ اللَّهُ مِنْهُ. وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ يُضْمِرُ قَتْلَ النَّفْسِ. وَلِذَا فَلَا ذَنْبَ، لِمَنْ تَقَبَّلَ اللَّهُ قُرْبَانَهُ، يَسْتَوْجِبُ الْقَتْلَ. وَقَدْ أَفَادَ قَوْلُ ابْنِ آدَمَ حَصْرَ الْقَبُولِ فِي أَعْمَالِ الْمُتَّقِينَ. فَإِذَا كَانَ الْمُرَادُ مِنَ الْمُتَّقِينَ مَعْنَاهُ الْمَعْرُوفَ شَرْعًا الْمَحْكِيَّ بِلَفْظِهِ الدَّالِّ عَلَيْهِ مُرَادُ ابْنِ آدَمَ كَانَ مُفَادُ الْحَصْرِ أَنَّ عَمَلَ غَيْرِ الْمُتَّقِي لَا يُقْبَلُ فَيُحْتَمَلُ أَنَّ هَذَا كَانَ شَرِيعَتَهُمْ، ثُمَّ نُسِخَ فِي الْإِسْلَامِ بِقَبُولِ الْحَسَنَاتِ مِنَ الْمُؤْمِنِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَّقِيًا فِي سَائِرِ أَحْوَالِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالْمُتَّقِينَ الْمُخْلِصُونَ فِي الْعَمَلِ، فَيَكُونُ عَدَمُ الْقَبُولِ أَمَارَةً عَلَى عَدَمِ الْإِخْلَاصِ، وَفِيهِ إِخْرَاجُ لَفْظِ التَّقْوَى عَنِ الْمُتَعَارَفِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِالتَّقَبُّلِ تَقَبُّلًا خَاصًّا، وَهُوَ التَّقَبُّلُ التَّامُّ الدَّالُّ عَلَيْهِ احْتِرَاقُ الْقُرْبَانِ، فَيَكُونُ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ تَعَالَى: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [الْبَقَرَة: ٢]، أَيْ هُدًى كَامِلًا لَهُمْ، وَقَوْلُهُ: وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ [الزخرف: ٣٥]، أَيِ الْآخِرَةُ الْكَامِلَةُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ تَقَبُّلَ الْقَرَابِينِ خَاصَّةً وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ الْمُتَّقِينَ بِالْقُرْبَانِ، أَيِ الْمُرِيدِينَ بِهِ تَقْوَى اللَّهِ، وَأَنَّ أَخَاهُ أَرَادَ بِقُرْبَانِهِ بِأَنَّهُ الْمُبَاهَاةُ. وَمَعْنَى هَذَا الْحَصْرِ أَنَّ اللَّهَ لَا يَتَقَبَّلُ مِنْ غَيْرِ الْمُتَّقِينَ وَكَانَ ذَلِكَ شَرْعَ زَمَانِهِمْ.
وَقَوْلُهُ: لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي إِلَخْ مَوْعِظَةٌ لِأَخِيهِ لِيُذَكِّرَهُ خَطَرَ هَذَا الْجُرْمِ الَّذِي أَقْدَمَ عَلَيْهِ. وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ يَسْتَطِيعُ دِفَاعَهُ وَلَكِنَّهُ مَنَعَهُ مِنْهُ خَوْفُ اللَّهِ تَعَالَى. وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا اجْتِهَادٌ مِنْ هَابِيلَ فِي اسْتِعْظَامِ جُرْمِ قَتْلِ النَّفْسِ، وَلَوْ كَانَ الْقَتْلُ دِفَاعًا. وَقَدْ عَلِمَ الْأَخَوَانِ مَا هُوَ الْقَتْلُ بِمَا يَعْرِفَانِهِ مِنْ ذَبْحِ
وَجُمْلَةُ: قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ بَيَانٌ لِجُمْلَةِ لَا أَشْهَدُ فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ عَطْفِ الْبَيَانِ، لِأَنَّ مَعْنَى لَا أَشْهَدُ بِأَنَّ مَعَهُ آلِهَةً هُوَ مَعْنَى أَنَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ، وَأُعِيدَ فِعْلُ الْقَوْلِ لِتَأْكِيدِ التَّبْلِيغِ.
وَكَلِمَةُ إِنَّما أَفَادَتِ الْحَصْرَ، أَيْ هُوَ الْمَخْصُوصُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ: ثُمَّ بَالَغَ فِي إِثْبَات ذَلِك بالتبري مِنْ ضِدِّهِ بِقَوْلِهِ: وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ. وَفِيهِ قَطْعٌ لِلْمُجَادَلَةِ مَعَهُمْ عَلَى طَرِيقَةِ الْمُتَارَكَةِ.
وَ (مَا) فِي قَوْلِهِ: مِمَّا تُشْرِكُونَ يَجُوزُ كَوْنُهَا مَصْدَرِيَّةً، أَيْ مِنْ إِشْرَاكِكُمْ. وَيَجُوزُ كَوْنُهَا مَوْصُولَةً، وَهُوَ الْأَظْهَرُ، أَيْ مِنْ أَصْنَامِكُمُ الَّتِي تُشْرِكُونَ بِهَا، وَفِيهِ حَذْفُ الْعَائِدِ الْمَجْرُورِ لِأَنَّ حَرْفَ الْجَرِّ الْمَحْذُوفَ مَعَ الْعَائِدِ مُتَعَيِّنٌ تَقْدِيرُهُ بِلَا لَبْسٍ، وَذَلِكَ هُوَ ضَابِطُ جَوَازِ حَذْفِ الْعَائِدِ الْمَجْرُورِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا [الْفرْقَان: ٦٠] أَيْ بِتَعْظِيمِهِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ أَيْ بِالْجَهْرِ بِهِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ «التَّسْهِيلِ» أَنَّ هَذَا مَمْنُوعٌ، وَهُوَ غَفْلَةٌ مِنْ مُؤَلِّفِهِ اغْتَرَّ بِهَا بَعْضُ شرّاح كتبه.
[٢٠]
[سُورَة الْأَنْعَام (٦) : آيَة ٢٠]
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠)
جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ انْتَقَلَ بِهَا أُسْلُوبُ الْكَلَامِ مِنْ مُخَاطَبَةِ اللَّهِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى لِسَانِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى إِخْبَارٍ عَامٍّ كَسَائِرِ أَخْبَارِ الْقُرْآنِ. أَظْهَرَ اللَّهُ دَلِيلًا عَلَى صِدْقِ الرَّسُولِ فِيمَا
جَاءَ بِهِ بَعْدَ شَهَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي فِي قَوْلِهِ قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ [الْأَنْعَام: ١٩]، فَإِنَّهُ لَمَّا جَاءَ ذِكْرُ الْقُرْآنِ هُنَالِكَ وَقَعَ هَذَا الِانْتِقَالُ لِلِاسْتِشْهَادِ عَلَى صِدْقِ الْقُرْآنِ الْمُتَضَمِّنِ صِدْقَ مَنْ جَاءَ بِهِ، لِأَنَّهُ هُوَ الْآيَةُ الْمُعْجِزَةُ الْعَامَّةُ الدَّائِمَةُ. وَقَدْ عَلِمْتَ آنِفًا أَنَّ الْوَاحِدِيَّ ذَكَرَ أَنَّ رُؤَسَاءَ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا لِلنَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ سَأَلْنَا عَنْكَ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى فَزَعَمُوا أَنْ لَيْسَ عِنْدَهُمْ ذِكْرُكَ وَلَا صِفَتُكُ إِلَى آخِرِهِ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ التَّعَرُّضُ لِأَهْلِ الْكِتَابِ هُنَا إِبْطَالًا لِمَا قَالُوهُ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُمْ ذِكْرُ النَّبِيءِ وَلَا صِفَتُهُ، أَيْ فَهُمْ
مِنْ مَزَاعِمِكُمُ الْكَاذِبَةِ فِيمَا حَرَّمْتُمْ وَفَصَّلْتُمْ، فَهَذَا
هُوَ الْوَجْهُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا.
وَتَقْدِيمُ الْمَجْرُورِ عَلَى عَامِلِهِ لِلِاهْتِمَامِ بِأَمْرِ الْعَهْدِ وَصَرْفِ ذهن السّامع عِنْد، لِيَتَقَرَّرَ فِي ذِهْنِهِ مَا يَرِدُ بَعْدَهُ مِنَ الْأَمْرِ بِالْوَفَاءِ، أَيْ إِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ الْوَفَاءَ بِالْعَهْدِ مِدْحَةً فَعَهْدُ اللَّهِ أَوْلَى بِالْوَفَاءِ وَأَنْتُمْ قَدِ اخْتَرْتُمُوهُ، فَهَذَا كَقَوْلِه تَعَالَى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ- ثُمَّ قَالَ- وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ [الْبَقَرَة: ٢١٧].
ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.
تَكْرَارٌ لِقَوْلِهِ الْمُمَاثِلِ لَهُ قَبْلَهُ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ هَذَا التَّذْيِيلَ خُتِمَ بِهِ صِنْفٌ مِنْ أَصْنَافِ الْأَحْكَامِ. وَجَاءَ مَعَ هَذِهِ الْوَصِيَّةِ بِقَوْلِهِ: لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
لِأَنَّ هَذِهِ الْمَطَالِبَ الْأَرْبَعَةَ عُرِفَ بَيْنَ الْعَرَبِ أَنَّهَا مَحَامِدُ، فَالْأَمْرُ بِهَا، وَالتَّحْرِيضُ عَلَيْهَا تَذْكِيرٌ بِمَا عَرَفُوهُ فِي شَأْنِهَا وَلَكِنَّهُمْ تَنَاسَوْهُ بِغَلَبَةِ الْهَوَى وَغِشَاوَةِ الشِّرْكِ عَلَى قُلُوبِهِمْ.
وَقَرَأَ نَافِعٌ، وَابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو، وَابْنُ عَامِرٍ، وَعَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَيَعْقُوبُ: تَذَّكَّرُونَ- بِتَشْدِيدِ الذَّالِ لِإِدْغَامِ التَّاءِ الثَّانِيَةِ فِي الذَّالِ بَعْدَ قَلْبِهَا-، وَقَرَأَ حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ، وَعَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ حَفْصٍ، وَخَلَفٍ- بِتَخْفِيفِ الذَّالِ عَلَى حَذْفِ التَّاءِ الثّانية تَخْفِيفًا-.
[١٥٣]
[سُورَة الْأَنْعَام (٦) : آيَة ١٥٣]
وَأَنَّ هَذَا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
فَهُوَ مَقْصُورٌ عَلَى الْكَوْنِ فِي مُلْكِ اللَّهِ قَصْرًا ادِّعَائِيًّا لِأَنَّ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ تَدْبِيرَ أُمُورٍ كَثِيرَةٍ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ الْمُدَبِّرُ مَخْلُوقًا لِلَّهِ تَعَالَى كَانَ تَدْبِيرُهُ رَاجِعًا إِلَى تَدْبِيرِ اللَّهِ كَمَا قِيلَ فِي قِصَرِ جِنْسِ الْحَمْدِ فِي قَوْلِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ [الْفَاتِحَة: ٢].
وَجُمْلَةُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ تَذْيِيلٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ وَجُمْلَةِ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً [الْأَعْرَاف: ٥٥] إِذْ قَدْ تَهَيَّأَ الْمَقَامُ لِلتَّذْكِيرِ بِفَضْلِ اللَّهِ عَلَى النَّاسِ، وَبِنَافِعِ تَصَرُّفَاتِهِ، عَقِبَ مَا أَجْرَى مِنْ إِخْبَارٍ عَنْ عَظِيمِ قُدْرَتِهِ وَسِعَةِ عِلْمِهِ وَإِتْقَانِ صُنْعِهِ.
وَفِعْلُ تَبارَكَ فِي صُورَةِ اشْتِقَاقِهِ يُؤْذِنُ بِإِظْهَارِ الْوَصْفِ عَلَى صَاحِبِهِ الْمُتَّصِفِ بِهِ مِثْلُ: تَثَاقَلَ، أَظْهَرَ الثِّقَلَ فِي الْعَمَلِ، وَتَعَالَلَ، أَيْ أَظْهَرَ الْعِلَّةَ، وَتَعَاظَمَ: أَظْهَرَ الْعَظَمَةَ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى ظُهُورِ الْفِعْلِ عَلَى الْمُتَّصِفِ بِهِ ظُهُورًا بَيِّنًا حَتَّى كَأَنَّ صَاحِبَهُ يُظْهِرُهُ، وَمِنْهُ: تَعالَى اللَّهُ [النَّمْل: ٦٣] أَيْ ظَهَرَ عُلُوُّهُ، أَيْ شَرَفُهُ عَلَى الْمَوْجُودَاتِ كُلِّهَا، وَمِنْهُ تَبارَكَ أَيْ ظَهَرَتْ بَرَكَتُهُ.
وَالْبَرَكَةُ: شِدَّةُ الْخَيْرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ [٩٦]، وَقَوْلِهِ: وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ [٩٢]. فَبَرَكَةُ اللَّهِ الْمَوْصُوفُ بِهَا هِيَ مَجْدُهُ وَنَزَاهَتُهُ وَقُدْسُهُ، وَذَلِكَ جَامِعٌ
صِفَاتِ الْكَمَالِ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ لَهُ الْخَلْقَ وَالْأَمْرَ.
وَاتْبَاعُ اسْمِ الْجَلَالَةِ بِالْوَصْفِ وَهُوَ رَبُّ الْعالَمِينَ فِي مَعْنَى الْبَيَانِ لِاسْتِحْقَاقِهِ الْبَرَكَةِ وَالْمَجْدِ، لِأَنَّهُ مُفِيضُ خَيْرَاتِ الْإِيجَادِ وَالْإِمْدَادِ، وَمُدَبِّرُ أَحْوَالِ الْمَوْجُودَاتِ، بِوَصْفِ كَوْنِهِ رَبَّ أَنْوَاعِ الْمَخْلُوقَاتِ، وَمَضَى الْكَلَامُ عَلَى الْعالَمِينَ فِي سُورَة الْفَاتِحَة [٢].
[٥٥]
[سُورَة الْأَعْرَاف (٧) : آيَة ٥٥]
ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)
اسْتِئْنَافٌ جَاءَ مُعْتَرِضًا بَيْنَ ذِكْرِ دَلَائِلِ وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى بِذِكْرِ عَظِيمِ قُدْرَتِهِ عَلَى تَكْوِينِ أَشْيَاءَ لَا يُشَارِكُهُ غَيْرُهُ فِي تَكْوِينِهَا. فَالْجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ
بِالْجَهْلِ بِهِ، وَكَانَ الْإِشْرَاكُ إِمَّا عَنْ عَمْدٍ وَإِمَّا عَنْ تَقْصِيرٍ، وَكَلَاهُمَا لَا يَنْهَضُ عُذْرًا، وَكُلُّ هَذَا إِنَّمَا يَصْلُحُ لِخِطَابِ الْمُشْرِكِينَ دُونَ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
وَمَعْنَى: وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ كُنَّا عَلَى دِينِهِمْ تَبَعًا لَهُمْ لِأَنَّنَا ذُرِّيَّةٌ لَهُمْ، وَشَأْنُ الذُّرِّيَّةِ الِاقْتِدَاءُ بِالْآبَاءِ وَإِقَامَةُ عَوَائِدِهِمْ فَوَقَعَ إِيجَازٌ فِي الْكَلَامِ وَأُقِيمَ التَّعْلِيلُ مَقَامَ الْمُعَلَّلِ.
ومِنْ بَعْدِهِمْ نَعْتٌ لِذُرِّيَّةٍ لِمَا تُؤْذِنُ بِهِ ذُرِّيَّةٌ مِنَ الْخَلْفِيَّةِ وَالْقِيَامِ فِي مَقَامِهِمْ.
وَالِاسْتِفْهَامُ فِي أَفَتُهْلِكُنا إِنْكَارِيٌّ، وَالْإِهْلَاكُ هُنَا مُسْتَعَارٌ لِلْعَذَابِ، وَالْمُبْطِلُونَ الْآخِذُونَ بِالْبَاطِلِ، وَهُوَ فِي هَذَا الْمَقَامِ الْإِشْرَاكُ.
وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ بِالْإِلَهِ الْوَاحِدِ مُسْتَقِرٌّ فِي فِطْرَةِ الْعَقْلِ، لَوْ خُلِّيَ وَنَفْسَهُ، وَتَجَرَّدَ مِنَ الشُّبُهَاتِ النَّاشِئَةِ فِيهِ مِنَ التَّقْصِيرِ فِي النَّظَرِ، أَوِ الْمُلْقَاةِ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الضَّلَالَةِ الْمُسْتَقِرَّةِ فِيهِمُ الضَّلَالَةُ، بِقَصْدٍ أَوْ بِغَيْرِ قَصْدٍ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْمَاتُرِيدِيُّ وَالْمُعْتَزِلَةُ: إِنَّ الْإِيمَانَ بِالْإِلَهِ الْوَاحِدِ وَاجِبٌ بِالْعَقْلِ، وَنُسِبَ إِلَى أَبِي حَنِيفَةَ وَإِلَى الْمَاوَرْدِيِّ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَعَلَيْهِ انْبَتَّتْ مُؤَاخَذَةُ أَهْلِ الْفَتْرَةِ عَلَى الْإِشْرَاكِ، وَقَالَ الْأَشْعَرِيُّ:
مَعْرِفَةُ اللَّهِ وَاجِبَةٌ بِالشَّرْعِ لَا بِالْعَقْلِ تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الْإِسْرَاء: ١٥] وَلَعَلَّهُ أَرْجَعَ مُؤَاخَذَةَ أَهْلِ الْفَتْرَةِ عَلَى الشِّرْكِ إِلَى التَّوَاتُرِ بِمَجِيءِ الرُّسُلِ بِالتَّوْحِيدِ.
وَجُمْلَةُ: وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الْقِصَّتَيْنِ، وَالْوَاوُ اعْتِرَاضِيَّةٌ، وَتُسَمَّى وَاوَ الِاسْتِئْنَافِ أَيْ مِثْلُ هَذَا التَّفْصِيلِ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ أَيْ آيَاتِ الْقُرْآنِ، وَتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ [٥٥].
وَتَفْصِيلُهَا بَيَانُهَا وَتَجْرِيدُهَا مِنَ الِالْتِبَاسِ.
وَجُمْلَةُ: وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ: وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ فَهِيَ فِي
مَوْقِعِ الِاعْتِرَاضِ، وَهَذَا إِنْشَاءُ تَرَجِّي رُجُوعِ الْمُشْرِكِينَ إِلَى التَّوْحِيدِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ مَعْنَى الرَّجَاءِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى صُدُورِهِ مِنْ جَانِبِ الله تَعَالَى عَنهُ قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ
وَالْأَحْبَارُ جَمَعُ حَبْرٍ- بِفَتْحِ الْحَاءِ- وَهُوَ الْعَالِمُ مِنْ عُلَمَاءِ الْيَهُودِ.
الرُّهْبَانُ اسْمُ جَمْعٍ لِرَاهِبٍ وَهُوَ التَّقِيُّ الْمُنْقَطِعُ لِعِبَادَةِ اللَّهِ مِنْ أَهْلِ دِينِ النَّصْرَانِيَّةِ، وَإِنَّمَا خُصَّ الْحَبْرُ بِعَالِمِ الْيَهُودِ لِأَنَّ عُظَمَاءَ دِينِ الْيَهُودِيَّةِ يَشْتَغِلُونَ بِتَحْرِيرِ عُلُومِ شَرِيعَةِ التَّوْرَاةِ فَهُمْ عُلَمَاءُ فِي الدِّينِ وَخُصَّ الرَّاهِبُ بِعَظِيمِ دِينِ النَّصْرَانِيَّةِ لِأَنَّ دِينَ النَّصَارَى قَائِمٌ عَلَى أَصْلِ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا وَالِانْقِطَاعِ لِلْعِبَادَةِ.
وَمَعْنَى اتِّخَاذِهِمْ هَؤُلَاءِ أَرْبَابًا أَنَّ الْيَهُودَ ادَّعَوْا لِبَعْضِهِمْ بُنُوَّةَ اللَّهِ تَعَالَى وَذَلِكَ تَأْلِيهٌ، وَأَنَّ النَّصَارَى أَشَدُّ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ إِذْ كَانُوا يَسْجُدُونَ لِصُوَرِ عُظَمَاءِ مِلَّتِهِمْ مِثْلَ صُورَةِ مَرْيَمَ، وَصُوَرِ الْحَوَارِيِّينَ، وَصُورَةِ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّاءَ، وَالسُّجُودُ مِنْ شِعَارِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَكَانُوا يَسْتَنْصِرُونَ بِهِمْ فِي حُرُوبِهِمْ وَلَا يَسْتَنْصِرُونَ بِاللَّهِ.
وَهَذَا حَالُ كَثِيرٍ مِنْ طَوَائِفِهِمْ وَفِرَقِهِمْ، وَلِأَنَّهُمْ كَانُوا يَأْخُذُونَ بِأَقْوَالِ أَحْبَارِهِمْ وَرُهْبَانِهِمُ الْمُخَالِفَةِ لِمَا هُوَ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ مِنَ الدِّينِ، فَكَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ يُحَلِّلُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، وَيُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَهَذَا مُطَّرِدٌ فِي جَمِيعِ أَهْلِ الدِّينَيْنِ،
وَلِذَلِكَ أَفْحَمَ بِهِ النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عديا بْنَ حَاتِمٍ لَمَّا وَفَدَ عَلَيْهِ قُبَيْلَ إِسْلَامِهِ لَمَّا سَمِعَ قَوْلَهُ تَعَالَى:
اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَقَالَ عَدِيُّ: لَسْنَا نَعْبُدُهُمْ فَقَالَ: «أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ وَيُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَتَسْتَحِلُّونَهُ- فَقُلْتُ: بَلَى- قَالَ: فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ»
فَحَصَلَ مِنْ مَجْمُوعِ أَقْوَالِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى أَنَّهُمْ جَعَلُوا لِبَعْضِ أَحْبَارِهِمْ وَرُهْبَانِهِمْ مَرْتَبَةَ الرُّبُوبِيَّةِ فِي اعْتِقَادِهِمْ فَكَانَتِ الشَّنَاعَةُ لَازِمَةً لِلْأُمَّتَيْنِ وَلَوْ كَانَ مِنْ بَيْنِهِمْ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِمَقَالِهِمْ كَمَا زَعَمَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ فَإِنَّ الْأُمَّةَ تُؤَاخَذُ بِمَا يَصْدُرُ مِنْ أَفْرَادِهَا إِذَا أَقَرَّتْهُ وَلَمْ تُنْكِرْهُ، وَمَعْنَى اتِّخَاذُهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنَّهُمُ اتَّخَذُوهُمْ أَرْبَابًا دُونَ أَنْ يُفْرِدُوا اللَّهَ بِالْوَحْدَانِيَّةِ، وَتَخْصِيصُ الْمَسِيحِ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ تَأْلِيهَ النَّصَارَى إِيَّاهُ أَشْنَعُ وَأَشْهَرُ.
وَجُمْلَةُ وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنْ ضَمِيرِ اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ، وَهِيَ مَحَطُّ زِيَادَةِ التَّشْنِيعِ عَلَيْهِمْ وَإِنْكَارِ صَنِيعِهِمْ بِأَنَّهُمْ لَا عُذْرَ لَهُمْ فِيمَا زَعَمُوا، لِأَنَّ وَصَايَا كُتُبِ الْمِلَّتَيْنِ طَافِحَةٌ بِالتَّحْذِيرِ مِنْ عِبَادَةِ الْمَخْلُوقَاتِ وَمِنْ إِشْرَاكِهَا فِي خَصَائِصِ الْإِلَهِيَّةِ.

[سُورَة يُونُس (١٠) : آيَة ٣٨]

أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٨)
أَمْ لِلْإِضْرَابِ الِانْتِقَالِيِّ مِنَ النَّفْيِ إِلَى الِاسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِيِّ التَّعْجِيبِيِّ، وَهُوَ ارْتِقَاءٌ بِإِبْطَالِ دَعْوَاهُمْ أَنْ يَكُونَ الْقُرْآنُ مُفْتَرًى مِنْ دُونِ اللَّهِ.
وَلَمَّا اخْتَصَّتْ أَمْ بِعَطْفِ الِاسْتِفْهَامِ كَانَ الِاسْتِفْهَامُ مُقَدَّرًا مَعَهَا حَيْثُمَا وَقَعَتْ، فَالِاسْتِفْهَامُ الَّذِي تُشْعِرُ بِهِ (أَمْ) اسْتِفْهَامٌ تَعْجِيبِيٌّ إِنْكَارِيٌّ، وَالْمَعْنَى: بَلْ أيقولون افتراه بعد مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ مِنَ الدَّلَائِلِ عَلَى صِدْقِهِ وَبَرَاءَتِهِ مِنَ الِافْتِرَاءِ.
وَمِنْ بَدِيعِ الْأُسْلُوبِ وَبَلِيغِ الْكَلَامِ أَنْ قُدِّمَ وَصْفُ الْقُرْآنِ بِمَا يَقْتَضِي بُعْدَهُ عَنِ الِافْتِرَاءِ وَبِمَا فِيهِ مِنْ أَجَلِّ صِفَاتِ الْكتب، وبتشريف نِسْبَة إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ أَعْقَبَ ذَلِكَ بِالِاسْتِفْهَامِ عَنْ دَعْوَى الْمُشْرِكِينَ افْتِرَاءً لِيَتَلَقَّى السَّامِعُ هَذِهِ الدَّعْوَى بِمَزِيدِ الِاشْمِئْزَازِ وَالتَّعَجُّبِ مِنْ حَمَاقَةِ أَصْحَابِهَا فَلِذَلِكَ جَعَلَتْ دَعْوَاهُمُ افْتِرَاءَهُ فِي حَيِّزِ الِاسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِيِّ التَّعْجِيبِيِّ.
وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أَنْ يُجِيبَهُمْ عَنْ دَعْوَى الِافْتِرَاءِ بِتَعْجِيزِهِمْ، وَأَنْ يَقْطَعَ الِاسْتِدْلَالَ عَلَيْهِمْ، فَأَمَرَهُمْ بِأَنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ. وَالْأَمْرُ أَمْرُ تَعْجِيزٍ، وَقَدْ وَقَعَ التَّحَدِّي بِإِتْيَانِهِمْ بِسُورَة تماثل سُورَة الْقُرْآنِ، أَيْ تُشَابِهُهُ فِي الْبَلَاغَةِ وَحُسْنِ النَّظْمِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ هَذِهِ الْمُمَاثَلَةِ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٢٣].
وَقَوْلُهُ: وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ هُوَ كَقَوْلِهِ فِي آيَةِ الْبَقَرَةِ [٢٣] : وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، وَمَعْنَى صادِقِينَ هُنَا، أَيْ قَوْلُكُمْ أَنَّهُ افْتَرَى، لِأَنَّهُ إِذَا أَمْكَنَهُ أَنْ يَفْتَرِيَهُ أَمْكَنَكُمْ أَنْتُمْ مُعَارَضَتَهُ فَإِنَّكُمْ سَوَاءٌ فِي هَذِهِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ.
وَحُذِفَ مَفْعُولُ اسْتَطَعْتُمْ لِظُهُورِهِ مِنْ فِعْلِ (ادْعُوا)، أَيْ مَنِ اسْتَطَعْتُمْ دَعْوَتَهُ لِنُصْرَتِكُمْ وَإِعَانَتِكُمْ عَلَى تَأْلِيفِ سُورَةٍ مِثْلِ سور الْقُرْآن.
وَإِخْفَاءِ بَعْضٍ مِثْلَ حُكْمِ الرَّجْمِ، وَفِي تَأْوِيلِ الْبَعْضِ عَلَى هَوَاهُمْ، وَفِي إِلْحَاقِ أَشْيَاءَ بِالْكِتَابِ عَلَى أَنَّهَا مِنْهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [الْبَقَرَة: ٧٩].
فَهَذَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَقَعَ مِنْ بَعْضِهِمْ لَا مِنْ جَمِيعِهِمْ فَيَقْتَضِي الِاخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ بَيْنَ مُثْبِتٍ وَنَافٍ، وَهَذَا الِاخْتِلَافُ بِأَنْوَاعِهِ وَأَحْوَالِهِ يَرْجِعُ إِلَى الِاخْتِلَافِ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكِتَابِ.
فَجُمِعَتْ هَذِهِ الْمَعَانِي جَمْعًا بَدِيعًا فِي تَعْدِيَةِ الِاخْتِلَافِ بِحَرْفِ (فِي) الدَّالَّةِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ الْمَجَازِيَّةِ وَهِيَ كَالْمُلَابَسَةِ، أَيْ فَاخْتُلِفَ اخْتِلَافًا يُلَابِسُهُ، أَيْ يُلَابِسُ الْكِتَابَ.
وَلِأَنَّ الْغَرَضَ لَمْ يَكُنْ مُتَعَلِّقًا بِبَيَانِ الْمُخْتَلِفِينَ وَلَا بِذَمِّهِمْ لِأَنَّ مِنْهُمُ الْمَذْمُومَ وَهُمُ الَّذِينَ أَقْدَمُوا عَلَى إِدْخَالِ الِاخْتِلَافِ، وَمِنْهُمُ الْمَحْمُودَ وَهُمُ الْمُنْكِرُونَ عَلَى الْمُبَدِّلِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ مَا يَعْمَلُونَ [الْمَائِدَة: ٦٦] وَسَيَجِيءُ قَوْلُهُ:
وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ [هود: ١١١]، بَلْ كَانَ لِلتَّحْذِيرِ مِنَ الْوُقُوعِ فِي مِثْلِهِ.
بُنِيَ فِعْلُ (اخْتُلِفَ) لِلْمَجْهُولِ إِذْ لَا غَرَضَ إِلَّا فِي ذِكْرِ الْفِعْلِ لَا فِي فَاعِلِهِ.
وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ.
يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلَى جُمْلَةٍ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ [هود: ١٠٩] وَيَكُونُ الِاعْتِرَاضُ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: فَاخْتُلِفَ فِيهِ، وَعَلَيْهِ فَضَمِيرُ بَيْنَهُمْ عَائِدٌ إِلَى اسْمِ الْإِشَارَةِ مِنْ قَوْلِهِ: مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ [هود: ١٠٩] أَيْ وَلَوْلَا مَا سَبَقَ مِنْ حِكْمَةِ اللَّهِ أَنْ يُؤَخِّرَ عَنْهُمُ الْعَذَابَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ، أَيْ لَقَضَى اللَّهُ بَيْنَهُمْ، فَأَهْلَكَ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُخَالِفِينَ وَنَصَرَ الْمُؤْمِنِينَ.
فَيَكُونُ بَيْنَهُمْ هُوَ نَائِبُ فَاعِلِ (قُضِيَ). وَالتَّقْدِيرُ: لَوَقَعَ الْعَذَابُ بَيْنَهُمْ، أَيْ فِيهِمْ.
وَقَدْ أرى الله نبيئه بَعْضَ مَا تَوَّعَدَ بِهِ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْهَلَاكِ بِالسَّيْفِ يَوْمَ بَدْرٍ وَيَوْمَ الْفَتْحِ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ وَغَيْرَهَا مِنْ أَيَّامِ الْإِسْلَامِ فِي حَيَاةِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُرِهِ بَعْضَهُ مِثْلَ عَذَابِ أَهْلِ الرِّدَّةِ فَإِنَّ مُعْظَمَهُمْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الْمُبْطِنِينَ الْكُفْرَ مِثْلَ: مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ.
وَفِي الْآيَةِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ الْعَذَابَ الَّذِي يَحِلُّ بِالْمُكَذِّبِينَ لِرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَذَابٌ قَاصِرٌ عَلَى الْمُكَذِّبِينَ لَا يُصِيبُ غَيْرَ الْمُكَذِّبِ لِأَنَّهُ اسْتِئْصَالٌ بِالسَّيْفِ قَابِلٌ لِلتَّجْزِئَةِ وَاخْتِلَافُ الْأَزْمَانِ رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ بِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وعَلى فِي قَوْلِهِ: عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْإِيجَابِ وَالْإِلْزَامِ، وَهُوَ فِي الْأَوَّلِ حَقِيقَةٌ وَفِي الثَّانِي مُجَازٌ فِي الْوُجُوبِ لِلَّهِ بِالْتِزَامِهِ بِهِ.
وَإِنَّمَا لِلْحَصْرِ، وَالْمَحْصُورُ فِيهِ هُوَ الْبَلَاغُ لِأَنَّهُ الْمُتَأَخِّرُ فِي الذِّكْرِ مِنَ الْجُمْلَةِ الْمَدْخُولَةِ لِحَرْفِ الْحَصْرِ، وَالتَّقْدِيرُ: عَلَيْكَ الْبَلَاغُ لَا غَيْرُهُ مِنْ إِنْزَالِ الْآيَاتِ أَوْ مِنْ تَعْجِيلِ الْعَذَابِ، وَلِهَذَا قَدَّمَ الْخَبَرَ عَلَى الْمُبْتَدَأِ لِتَعْيِينِ الْمَحْصُورِ فِيهِ.
وَجُمْلَةُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ عَلَيْكَ الْبَلاغُ فَهِيَ مَدْخُولَةٌ فِي الْمَعْنَى لِحَرْفِ الْحَصْرِ. وَالتَّقْدِيرُ: وَإِنَّمَا عَلَيْنَا الْحِسَابُ، أَيْ مُحَاسَبَتُهُمْ عَلَى التَّكْذِيبِ لَا غَيْرَ الْحِسَابِ مِنْ إِجَابَة مقترحاتهم.
[٤١]
[سُورَة الرَّعْد (١٣) : آيَة ٤١]
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٤١)
عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ [الرَّعْد: ٤٠] الْمُتَعَلِّقَةِ بِجُمْلَةِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ. عُقِّبَتْ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ لِإِنْذَارِ الْمُكَذِّبِينَ بِأَنَّ مَلَامِحَ نَصْرِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ لَاحَتْ وَتَبَاشِيرُ ظَفَرِهِ قَدْ طَلَعَتْ لِيَتَدَبَّرُوا فِي
وَالدَّاخِرُ: الْخَاضِعُ الذَّلِيلُ، أَيْ دَاخِرُونَ لِعَظَمَةِ الله تَعَالَى.
[٤٩، ٥٠]
[سُورَة النَّحْل (١٦) : الْآيَات ٤٩ إِلَى ٥٠]
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)
لَمَّا ذُكِرَ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ السُّجُودُ الْقَسْرِيُّ ذُكِرَ بَعْدَهُ هُنَا سُجُودٌ آخَرُ بَعْضُهُ اخْتِيَارٌ وَفِي
بَعْضِهِ شِبْهُ اخْتِيَارٍ.
وَتَقْدِيمُ الْمَجْرُورِ عَلَى فِعْلِهِ مُؤْذِنٌ بالحصر، أَي سجد لِلَّهِ لَا لِغَيْرِهِ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الْأَرْضِ، وَهُوَ تَعْرِيضٌ بِالْمُشْرِكِينَ إِذْ يَسْجُدُونَ لِلْأَصْنَامِ.
وَأُوثِرَتْ مَا الْمَوْصُولَةُ دُونَ (مَنْ) تَغْلِيبًا لِكَثْرَةِ غَيْرِ الْعُقَلَاءِ.
ومِنْ دابَّةٍ بَيَانٌ لِ مَا فِي الْأَرْضِ، إِذِ الدَّابَّةُ مَا يَدِبُّ عَلَى الْأَرْضِ غَيْرُ الْإِنْسَانِ.
وَمَعْنَى سُجُودِ الدَّوَابِّ لِلَّهِ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ فِي تَفْكِيرِهَا الْإِلْهَامِيِّ الْتِذَاذَهَا بِوُجُودِهَا وَبِمَا هِيَ فِيهِ مِنَ الْمَرَحِ وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَتَطْلُبُ الدَّفْعَ عَنْ نَفْسِهَا مِنَ الْمُتَغَلِّبِ وَمِنَ الْعَوَارِضِ بِالْمُدَافَعَةِ أَوْ بِالتَّوَقِّي، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْمُلَائِمَاتِ. فَحَالُهَا بِذَلِكَ كَحَالِ شَاكِرٍ تَتَيَسَّرُ تِلْكَ الْمُلَائِمَاتُ لَهَا، وَإِنَّمَا تَيْسِيرُهَا لَهَا مِمَّنْ فَطَرَهَا. وَقَدْ تَصْحَبُ أَحْوَالَ تَنَعُّمِهَا حَرَكَاتٌ تُشْبِهُ إِيمَاءَ الشَّاكِرِ الْمُقَارِبِ لِلسُّجُودِ، وَلَعَلَّ مِنْ حَرَكَاتِهَا مَا لَا يَشْعُرُ بِهِ النَّاسُ لِخَفَائِهِ وَجَهْلِهِمْ بِأَوْقَاتِهِ، وَإِطْلَاقُ السُّجُودِ عَلَى هَذَا مَجَازٌ.
وَيَشْمَلُ مَا فِي السَّماواتِ مَخْلُوقَاتٍ غَيْرَ الْمَلَائِكَةِ، مِثْلَ الْأَرْوَاحِ، أَو يُرَاد بالسماوات الْأَجْوَاءُ فَيُرَادُ بِمَا فِيهَا الطُّيُورُ وَالْفَرَاشُ.
كِتَابَهُ بِالشَّمَالِ فَاسْتُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِ ذَلِكَ وَأُتِيَ لَهُ بِصِلَةٍ أُخْرَى وَهِيَ كَوْنُهُ أَعْمَى حُكْمًا آخَرَ مِنْ أَحْوَالِهِ الْفَظِيعَةِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ.
وَالْإِشَارَةُ بِ هذِهِ إِلَى مَعْلُومٍ مِنَ الْمَقَامِ وَهُوَ الدُّنْيَا، وَلَهُ نَظَائِرُ فِي الْقُرْآنِ. وَالْمُرَادُ بِالْعَمَى فِي الدُّنْيَا الضَّلَالَةُ فِي الدِّينِ، أُطْلِقَ عَلَيْهَا الْعَمَى عَلَى وَجْهِ الِاسْتِعَارَةِ.
وَالْمُرَادُ بِالْعَمَى فِي الْآخِرَةِ مَا يَنْشَأُ عَنِ الْعَمَى مِنَ الْحَيْرَةِ وَاضْطِرَابِ الْبَالِ، فَالْأَعْمَى أَيْضًا مُسْتَعَارٌ لِمُشَابِهِ الْأَعْمَى بِإِحْدَى الْعَلَاقَتَيْنِ.
وَوَصْفُ أَعْمى فِي الْمَرَّتَيْنِ مُرَادٌ بِهِ مُجَرَّدُ الْوَصْفِ لَا التَّفْضِيلُ. وَلَمَّا كَانَ وَجْهُ الشَّبَهِ فِي أَحْوَالِ الْكَافِرِ فِي الْآخِرَةِ أَقْوَى مِنْهُ فِي حَالِهِ فِي الدُّنْيَا أُشِيرَ إِلَى شِدَّةِ تِلْكَ الْحَالَةِ بِقَوْلِهِ: وَأَضَلُّ سَبِيلًا الْقَائِمِ مَقَامَ صِيغَةِ التَّفْضِيلِ فِي الْعَمَى لِكَوْنِ وَصْفِ (أَعْمَى) غَيْرَ قَابِلٍ لِأَنْ يُصَاغَ بِصِيغَةِ التَّفْضِيلِ لِأَنَّهُ جَاءَ بِصِيغَةِ التَّفْضِيلِ فِي حَالِ الْوَصْفِ.
وَعَدَلَ عَنْ لَفْظِ (أَشَدَّ) وَنَحْوِهِ مَا يُتَوَسَّلُ بِهِ إِلَى التَّفْضِيلِ عِنْدَ تَعَذُّرِ اشْتِقَاقِ صِيغَةِ
(أَفْعَلَ) لِيَتَأَتَّى ذِكْرُ السَّبِيلِ، لِمَا فِي الضَّلَالِ عَنِ السَّبِيلِ مِنْ تَمْثِيلِ حَالِ الْعَمَى وَإِيضَاحِهِ، لِأَنَّ ضَلَالَ فَاقِدِ الْبَصَرِ عَنِ الطَّرِيق فِي حَال السَّيْرُ أَشَدَّ وَقْعًا فِي الْإِضْرَارِ مِنْهُ وَهُوَ قَابِعٌ بِمَكَانِهِ، فَعَدَلَ عَنِ اللَّفْظِ الْوَجِيزِ إِلَى التَّرْكِيبِ الْمُطْنِبِ لِمَا فِي الْإِطْنَابِ مِنْ تَمْثِيلِ الْحَالِ وَإِيضَاحِهِ وَإِفْظَاعِهِ وَهُوَ إِطْنَابٌ بَدِيعٌ. وَقَدْ أُفِيدَ بِذَلِكَ أَنَّ عَمَاهُ فِي الدَّارَيْنِ عَمَى ضَلَالٍ عَنِ السَّبِيلِ الْمُوَصِّلِ. وَمَعْنَى الْمُفَاضَلَةِ رَاجِعٌ إِلَى مُفَاضَلَةِ إِحْدَى حَالَتَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى فِي الضَّلَالِ وَأَثَرِهِ لَا إِلَى حَالِ غَيْرِهِ. فَالْمَعْنَى: وَأَضَلُّ سَبِيلًا مِنْهُ فِي الدُّنْيَا.
وَوَجْهُ كَوْنِ ضَلَالِهِ فِي الْآخِرَةِ أَشَدَّ أَنَّ ضَلَالَهُ فِي الدُّنْيَا كَانَ فِي مُكْنَتِهِ أَنْ يَنْجُوَ مِنْهُ بِطَلَبِ مَا يُرْشِدُهُ إِلَى السَّبِيلِ الْمُوصِلُ مِنْ هَدْيِ الرَّسُولِ وَالْقُرْآنِ مَعَ كَوْنِهِ خَلِيًّا عَنْ لَحَاقِ الْأَلَمِ بِهِ، وَأَمَّا ضَلَالُهُ فِي الْآخِرَةِ فَهُوَ ضَلَالٌ لَا خَلَاصَ مِنْهُ وَهُوَ مُقَارِنٌ لِلْعَذَابِ الدَّائِمِ، فَلَا جَرَمَ كَانَ ضَلَالُهُ فِي الْآخِرَةِ أَدْخَلَ فِي حَقِيقَةِ الضلال وماهيته.
وَذِكْرُ الرَّحْمنُ هُنَا حِكَايَةٌ لِقَوْلِهِمْ بِالْمَعْنَى، وَهُمْ لَا يذكرُونَ اسْم الرحمان وَلَا يُقِرُّونَ بِهِ، وَقَدْ أَنْكَرُوهُ كَمَا حَكَى اللَّهُ عَنْهُمْ: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ [الْفرْقَان: ٦٠]، فَهُمْ إِنَّمَا يَقُولُونَ: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً كَمَا حُكِيَ عَنْهُمْ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنْهَا آيَةُ سُورَةِ الْكَهْفِ [٤]. فَذِكْرُ الرَّحْمنُ هُنَا وَضَعٌ لِلْمُرَادِفِ فِي مَوْضِعِ مُرَادِفِهِ، فَذِكْرُ اسْمِ الرَّحْمنُ لِقَصْدِ إِغَاظَتِهِمْ بِذِكْرِ اسْمٍ أَنْكَرُوهُ.
وَفِيهِ أَيْضًا إِيمَاءٌ إِلَى اخْتِلَالِ قَوْلِهِمْ لمنافاة وصف الرحمان اتِّخَاذَ الْوَلَدِ كَمَا سَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ: وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً.
وَالْخِطَابُ فِي لَقَدْ جِئْتُمْ لِلَّذِينِ قَالُوا اتخذ الرحمان وَلَدًا، فَهُوَ الْتِفَاتٌ لِقَصْدِ إِبْلَاغِهِمُ التَّوْبِيخَ عَلَى وَجْهٍ شَدِيدِ الصَّرَاحَةِ لَا يَلْتَبِسُ فِيهِ الْمُرَادُ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ آنِفًا:
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها [مَرْيَم: ٧١] فَلَا يَحْسُنُ تَقْدِيرُ: قُلْ لَقَدْ جِئْتُمْ.
وَجُمْلَةُ لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيَانِ مَا اقْتَضَتْهُ جُمْلَةُ وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً مِنْ التَّشْنِيعِ وَالتَّفْظِيعِ.
وَقَرَأَ نَافِعٌ وَالْكِسَائِيُّ بِيَاءٍ تَحْتِيَّةٍ عَلَى عَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِالتَّأْنِيثِ، وَذَلِكَ جَائِزٌ فِي الِاسْتِعْمَالِ إِذَا لَمْ يَكُنِ الْفِعْلُ رَافِعًا لِضَمِيرٍ مُؤَنَّثٍ مُتَّصِلٍ، وَقَرَأَ الْبَقِيَّةُ: تَكادُ بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ، وَهُوَ الْوَجْهُ الْآخَرُ.
وَالتَّفَطُّرُ: الِانْشِقَاقُ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ تَفَنَّنٌ فِي اسْتِعْمَالِ الْمُتَرَادِفِ لِدَفْعِ ثِقَلِ تَكْرِيرِ اللَّفْظِ. وَالْخُرُورُ: السُّقُوطُ.
وَمن فِي قَوْلِهِ: مِنْهُ لِلتَّعْلِيلِ، وَالضَّمِير الْمَجْرُور بِمن عَائِدٌ إِلَى شَيْئاً إِدًّا، أَوْ إِلَى الْقَوْلِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ قالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً.
فِي بِئْرٍ فَمَلَأَ خُفَّهُ مَاءً وَأَمْسَكَهُ بِفَمِهِ حَتَّى رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ»
. أَمَّا الْمُؤْذِي وَالْمُضِرُّ مِنَ الْحَيَوَانِ فَقَدْ أُذِنَ فِي قَتْلِهِ وَطَرْدِهِ لِتَرْجِيحِ رَحْمَةِ النَّاسِ عَلَى رَحْمَة الْبَهَائِم. وَهِي تَفَاصِيلِ الْأَحْكَامِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ كَثْرَةٌ لَا يُعْوِزُ الْفَقِيه تتبعها.
[١٠٨]
[سُورَة الْأَنْبِيَاء (٢١) : آيَة ١٠٨]
قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨)
عَقَّبَ الْوَصْفَ الْجَامِعَ لِرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَيْثُ مَا لَهَا مِنَ الْأَثَرِ فِي أَحْوَالِ الْبَشَرِ بِوَصْفٍ جَامِعٍ لِأَصْلِ الدَّعْوَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ فِي ذَاتِهَا الْوَاجِبِ عَلَى كُلِّ مُتَّبِعٍ لَهَا وَهُوَ الْإِيمَانُ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِبْطَالِ إِلَهِيَّةِ مَا سِوَاهُ، لِنَبْذِ الشِّرْكِ الْمَبْثُوثِ بَيْنَ الْأُمَمِ يَوْمَئِذٍ. وَلِلِاهْتِمَامِ بِذَلِكَ صُدِّرَتْ جُمْلَتُهُ بِالْأَمْرِ بِأَنْ يَقُولَ لَهُمْ لِاسْتِصْغَاءِ أَسْمَاعِهِمْ.
وَصِيغَتِ الْجُمْلَةُ فِي صِيغَةِ حَصْرِ الْوَحْيِ إِلَيْهِ فِي مَضْمُونِهَا لِأَنَّ مَضْمُونَهَا هُوَ أَصْلُ الشَّرِيعَةِ الْأَعْظَمُ، وَكُلُّ مَا تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الشَّرِيعَةُ مُتَفَرِّعٌ عَلَيْهِ، فَالدَّعْوَةُ إِلَيْهِ هِيَ مَقَادَةُ الِاجْتِلَابِ إِلَى الشَّرِيعَةِ كُلِّهَا، إِذْ كَانَ أَصْلُ الْخِلَافِ يَوْمَئِذٍ بَيْنَ الرَّسُولِ وَمُعَانِدِيهِ هُوَ قَضِيَّةَ الْوَحْدَانِيَّةِ وَلِذَلِكَ قَالُوا: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجابٌ [ص: ٥].
وَمَا كَانَ إِنْكَارُهُمُ الْبَعْثَ إِلَّا لِأَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوهُ فِي دِينِ شِرْكِهِمْ إِذْ كَانَ الَّذِينَ وَضَعُوا لَهُمُ الشِّرْكَ لَا يُحَدِّثُونَهُمْ إِلَّا عَنْ حَالِهِمْ فِي الدُّنْيَا فَمَا كَانَ تَصَلُّبُهُمْ فِي إِنْكَارِ الْبَعْثِ إِلَّا شُعْبَةً مِنْ شُعَبِ الشِّرْكِ. فَلَا جَرَمَ كَانَ الِاهْتِمَامُ بِتَقْرِيرِ الْوَحْدَانِيَّةِ تَضْيِيقًا لِشُقَّةِ الْخِلَافِ بَيْنَ النَّبِيءِ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ الْمُعْرِضِينَ الَّذِينَ افْتُتِحَتِ السُّورَةُ بِوَصْفِ حَالِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:
أَسْفَارٍ أَوِ الْمُبْتَعِدِينَ عَنِ الْحَيِّ قَالَ تَعَالَى: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ [الحجرات: ٦] فَشَبَّهَ الْخَبَرَ بِقُدُومِ الْمُسَافِرِ أَوِ الْوَافِدِ عَلَى وَجْهِ الْمَكْنِيَّةِ وَجَعَلَ الْمَجِيءَ تَرْشِيحًا وَعُدِّيَ بِبَاءِ الْمُصَاحَبَةِ تَكْمِيلًا لِلتَّرَشُّحِ.
وَالْإِفْكُ: حَدِيثٌ اخْتَلَقَهُ الْمُنَافِقُونَ وَرَاجَ عِنْدَ الْمُنَافِقِينَ وَنَفَرٍ مِنْ سُذَّجِ الْمُسْلِمِينَ إِمَّا لِمُجَرَّدِ اتِّبَاعِ النَّعِيقِ وَإِمَّا لِإِحْدَاثِ الْفِتْنَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. وَحَاصِلُ هَذَا الْخَبَرِ: أَن النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَفَلَ مِنْ غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ مِنْ خُزَاعَةَ، وَتُسَمَّى غَزْوَةَ الْمُرَيْسِيعِ وَلَمْ تَبْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ إِلَّا مَرْحَلَةٌ. آذَنَ بِالرَّحِيلِ آخِرَ اللَّيْلِ. فَلَمَّا عَلِمَتْ عَائِشَةُ بِذَلِكَ خَرَجَتْ مِنْ هَوْدَجِهَا وَابْتَعَدَتْ عَنِ الْجَيْشِ لِقَضَاءِ شَأْنِهَا كَمَا هُوَ شَأْنُ النِّسَاءِ قَبْلَ التَّرَحُّلِ فَلَمَّا فَرَغَتْ أَقْبَلَتْ إِلَى رَحْلِهَا فَافْتَقَدَتْ عِقْدًا مِنْ جَزْعِ ظَفَارٍ كَانَ فِي صَدْرِهَا فَرَجَعَتْ عَلَى طَرِيقِهَا تَلْتَمِسُهُ فَحَبَسَهَا طَلَبُهُ وَكَانَ لَيْلٌ. فَلَمَّا وَجَدَتْهُ رَجَعَتْ إِلَى حَيْثُ وُضِعَ رَحْلُهَا فَلَمْ تَجِدِ الْجَيْشَ وَلَا رَحْلَهَا، وَذَلِكَ أَنَّ الرِّجَالَ الْمُوَكَّلِينَ بِالتَّرَحُّلِ قَصَدُوا الْهَوْدَجَ فَاحْتَمَلُوهُ وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّ عَائِشَةَ فِيهِ وَكَانَتْ خَفِيفَةً قَلِيلَةَ اللَّحْمِ فَرَفَعُوا الْهَوْدَجَ وَسَارُوا فَلَمَّا لَمْ تَجِدْ أَحَدًا اضْطَجَعَتْ فِي مَكَانِهَا رَجَاءَ أَنْ يَفْتَقِدُوهَا فَيَرْجِعُوا إِلَيْهَا فَنَامَتْ وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطِّلِ (بِكَسْرِ الطَّاءِ) السُّلَمِيُّ
(بِضَمِّ السِّينِ وَفَتْحِ اللَّامِ نِسْبَةً إِلَى بَنِي سُلَيْمٍ وَكَانَ مُسْتَوْطِنًا الْمَدِينَةَ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْعَرَبِ) قَدْ أَوْكَلَ إِلَيْهِ النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِرَاسَةَ سَاقَةِ الْجَيْشِ، فَلَمَّا عَلِمَ بِابْتِعَادِ الْجَيْشِ وَأَمِنَ عَلَيْهِ مِنْ غَدْرِ الْعَدُوِّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ لِيَلْتَحِقَ بِالْجَيْشِ فَلَمَّا بَلَغَ الْمَوْضِعَ الَّذِي كَانَ بِهِ الْجَيْشُ بَصُرَ بِسَوَادِ إِنْسَانٍ فَإِذَا هِيَ عَائِشَةُ وَكَانَ قَدْ رَآهَا قَبْلَ الْحِجَابِ فَاسْتَرْجَعَ، وَاسْتَيْقَظَتْ عَائِشَةُ بِصَوْتِ اسْتِرْجَاعِهِ وَنَزَلَ عَنْ نَاقَتِهِ وَأَدْنَاهَا مِنْهَا وَأَنَاخَهَا فَرَكِبَتْهَا عَائِشَةُ وَأَخَذَ يَقُودُهَا حَتَّى لَحِقَ بِالْجَيْشِ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بن سَلُولٍ رَأْسَ الْمُنَافِقِينَ فِي الْجَيْشِ فَقَالَ:
وَاللَّهِ مَا نَجَتْ مِنْهُ وَلَا نَجَا مِنْهَا، فَرَاجَ قَوْلُهُ عَلَى حَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ وَمِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ (بِكَسْرِ مِيمِ مِسْطَحٍ وَفَتْحِ طَائِهِ وَضَمِّ هَمْزَةِ أُثَاثَةَ) وَحِمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ أُخْتِ زَيْنَبَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ
وَقَدْ جَاءَ فِي ذِكْرِ النِّعْمَةِ بالإجمال الَّذِي يهيّىء السَّامِعِينَ لِتَلَقِّي مَا يَرِدُ بَعْدَهُ فَقَالَ:
الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ ثُمَّ فَصَّلَ بِقَوْلِهِ: أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَأُعِيدَ فِعْلُ أَمَدَّكُمْ فِي جُمْلَةِ التَّفْصِيلِ لِزِيَادَةِ الِاهْتِمَامِ بِذَلِكَ الْإِمْدَادِ فَهُوَ لِلتَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ.
وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ بِمَنْزِلَةِ بَدَلِ الْبَعْضِ مِنْ جُمْلَةِ أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ فَإِنَّ فِعْلَ أَمَدَّكُمْ الثَّانِي وَإِنْ كَانَ مُسَاوِيًا لِ أَمَدَّكُمْ الْأَوَّلِ فَإِنَّمَا صَارَ بَدَلًا مِنْهُ بِاعْتِبَار مَا تعلق بِهِ مِنْ قَوْلِهِ:
بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ إِلَخْ الَّذِي هُوَ بَعْضٌ مِمَّا تَعْلَمُونَ. وَكِلَا الِاعْتِبَارَيْنِ التَّوْكِيدُ وَالْبَدَلُ يَقْتَضِي الْفَصْلَ، فَلِأَجْلِهِ لَمْ تُعْطَفِ الْجُمْلَةُ.
وَابْتَدَأَ فِي تِعْدَادِ النِّعَمِ بِذِكْرِ الْأَنْعَامِ لِأَنَّهَا أَجَلُّ نِعْمَةٍ عَلَى أَهْلِ ذَلِكَ الْبَلَدِ، لِأَنَّ مِنْهَا أَقْوَاتَهُمْ وَلِبَاسَهُمْ وَعَلَيْهَا أَسْفَارُهُمْ وَكَانُوا أَهْلَ نُجْعَةٍ فَهِيَ سَبَبُ بَقَائِهِمْ، وَعَطَفَ عَلَيْهَا الْبَنِينَ لِأَنَّهُمْ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ بِأَنَّهَا أُنْسُهُمْ وَعَوْنُهُمْ عَلَى أَسْبَابِ الْحَيَاةِ وَبَقَاءِ ذِكْرِهِمْ بَعْدَهُمْ وَكَثْرَةِ أُمَّتِهِمْ، وَعَطَفَ الْجَنَّاتِ وَالْعُيُونَ لِأَنَّهَا بِهَا رَفَاهِيَةُ حَالِهِمْ وَاتِّسَاعُ رِزْقِهِمْ وَعَيْشُ أَنْعَامِهِمْ.
وَجُمْلَةُ: إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ تَعْلِيلٌ لِإِنْكَارِ عَدَمِ تَقْوَاهُمْ وَلِلْأَمْرِ بِالتَّقْوَى، أَيْ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابًا إِنْ لَمْ تَتَّقُوا، فَإِنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنْ ضِدِّهِ.
وَالْعَذَابُ يَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ عَذَابًا فِي الدُّنْيَا تَوَعَّدَهُمُ اللَّهُ بِهِ عَلَى لِسَانِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ عَذَابَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَوَصَفَ يَوْمٍ بِ عَظِيمٍ عَلَى طَرِيقَةِ الْمَجَازِ الْعَقْلِيِّ، أَيْ عَظِيمٌ مَا يَحْصُلُ فِيهِ من الْأَهْوَال.
[١٣٦- ١٤٠]
[سُورَة الشُّعَرَاء (٢٦) : الْآيَات ١٣٦ إِلَى ١٤٠]
قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ (١٣٦) إِنْ هَذَا إِلاَّ خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧) وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (١٣٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْناهُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٤٠)
أَجَابُوا بِتَأْيِيسِهِ مِنْ أَنْ يَقْبَلُوا إِرْشَادَهُ فَجَعَلُوا وَعْظَهُ وَعَدَمَهُ سَوَاءً، أَيْ هُمَا سَوَاءٌ فِي انْتِفَاءِ مَا قَصَدَهُ مِنْ وَعْظِهِ وَهُوَ امْتِثَالُهُمْ.
مَوْجُودًا بِالْإِجَاءَةِ بِشَيْءٍ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ، وَوَجْهُ الشَّبَهِ الْمُثُولُ وَالظُّهُورُ.
وَالضِّيَاءُ: النُّورُ. وَهُوَ فِي هَذَا الْعَالَمِ مِنْ شُعَاعِ الشَّمْسِ قَالَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً. وَتَقَدَّمَ فِي سُورَةِ يُونُسَ [٥]. وَعَبَّرَ بِالضِّيَاءِ دُونَ النَّهَارِ لِأَنَّ ظُلْمَةَ اللَّيْلِ قَدْ تَخِفُّ قَلِيلًا بِنُورِ الْقَمَرِ فَكَانَ ذِكْرُ الضِّيَاءِ إِيمَاءً إِلَى ذَلِكَ.
وَفِي تَعْدِيَةِ فِعْلِ يَأْتِيكُمْ فِي الْمَوْضِعَيْنِ إِلَى ضَمِيرِ الْمُخَاطَبِينَ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ إِيجَادَ الضِّيَاءِ وَإِيجَادَ اللَّيْلِ نِعْمَةٌ عَلَى النَّاسِ. وَهَذَا إِدْمَاجٌ لِلِامْتِنَانِ فِي أَثْنَاءِ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الِانْفِرَادِ بِالْإِلَهِيَّةِ. وَإِذْ قَدِ اسْتَمَرَّ الْمُشْرِكُونَ عَلَى عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ بَعْدَ سُطُوعِ هَذَا الدَّلِيلِ وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ الْأَصْنَامَ لَا تَقْدِرُ عَلَى إِيجَادِ الضِّيَاءِ جُعِلُوا كَأَنَّهُمْ لَا يَسْمَعُونَ هَذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي أَقَامَتِ الْحُجَّةَ الْوَاضِحَةَ عَلَى فَسَادِ مُعْتَقَدِهِمْ، فَفَرَّعَ عَلَى تِلْكَ الْحُجَّةِ الِاسْتِفْهَامَ الْإِنْكَارِيَّ عَنِ انْتِفَاءِ سَمَاعِهِمْ بِقَوْلِهِ أَفَلا تَسْمَعُونَ أَيْ أَفَلَا تَسْمَعُونَ الْكَلَامَ الْمُشْتَمِلَ عَلَى التَّذْكِيرِ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ خَالِقُ اللَّيْلِ وَالضِّيَاءِ وَمِنْهُ هَذِهِ الْآيَةُ. وَلَيْسَ قَوْلُهُ أَفَلا تَسْمَعُونَ تَذْيِيلًا.
وَكَرَّرَ الْأَمْرَ بِالْقَوْلِ فِي مَقَامِ التَّقْرِيرِ لِأَنَّ التَّقْرِيرَ يُنَاسِبُهُ التَّكْرِيرُ مِثْلَ مَقَامِ التَّوْبِيخِ وَمَقَامِ التَّهْوِيلِ.
وَعُكِسَ الِاسْتِدْلَالُ الثَّانِي بِفَرْضِ أَنْ يَكُونَ النَّهَارُ وَهُوَ انْتِشَارُ نُورِ الشَّمْسِ، سَرْمَدًا بِأَنْ خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ غَيْرَ كُرَوِيَّةِ الشَّكْلِ بِحَيْثُ يَكُونُ شُعَاعُ الشَّمْسِ مُنْتَشِرًا عَلَى جَمِيعِ سَطْحِ الْأَرْضِ دَوْمًا.
وَوَصْفُ اللَّيْلِ بِ تَسْكُنُونَ فِيهِ إِدْمَاجٌ لِلْمِنَّةِ فِي أَثْنَاءِ الِاسْتِدْلَالِ لِلتَّذْكِيرِ بِالنِّعْمَةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى نِعَمٍ كَثِيرَةٍ وَتِلْكَ هِيَ نِعْمَةُ السُّكُونِ فِيهِ فَإِنَّهَا تَشْمَلُ لَذَّةَ الرَّاحَةِ، وَلَذَّةَ الْخَلَاصِ مِنَ الْحَرِّ، وَلَذَّةَ اسْتِعَادَةِ نَشَاطِ الْمَجْمُوعِ الْعَصَبِيِّ الَّذِي بِهِ التَّفْكِيرُ وَالْعَمَلُ، وَلَذَّةَ الْأَمْنِ مِنَ الْعَدُوِّ.
وَلَمْ يُوصَفِ الضِّيَاءُ بِشَيْءٍ لِكَثْرَةِ مَنَافِعِهِ وَاخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا.
وَتَفَرَّعَ عَلَى هَذَا الِاسْتِدْلَالِ أَيْضًا تَنْزِيلَهُمْ مَنْزِلَةَ مَنْ لَا يُبْصِرُونَ الْأَشْيَاءَ الدَّالَّةَ عَلَى عَظِيمِ صُنْعِ اللَّهِ وَتَفَرُّدِهِ بِصُنْعِهَا وَهِيَ مِنْهُمْ بِمَرْأَى الْأَعْيُنِ.
يَا بُنَيَّ، إِيَّاكَ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّهُ شَهِيٌّ كَلَحْمِ الْعُصْفُورِ عَمَّا قَلِيلٍ يُغْلَى صَاحِبُهُ.
يَا بُنَيَّ، احْضُرِ الْجَنَائِزَ وَلَا تَحْضُرِ الْعُرْسَ فَإِنَّ الْجَنَائِزَ تُذَكِّرُكَ الْآخِرَةَ وَالْعُرْسَ يُشَهِّيكَ الدُّنْيَا.
يَا بُنَيَّ، لَا تَأْكُلْ شِبَعًا عَلَى شِبَعٍ فَإِنَّ إِلْقَاءَكَ إِيَّاهُ لِلْكَلْبِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَأْكُلَهُ.
يَا بُنَيَّ، لَا تَكُنْ حُلْوًا فَتُبْلَعْ وَلَا تَكُنْ مُرًّا فَتُلْفَظْ.
وَقَوْلُهُ لِابْنِهِ: لَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا الْأَتْقِيَاءُ، وَشَاوِرْ فِي أَمْرِكَ الْعُلَمَاءَ.
وَقَوْلُهُ: لَا خَيْرَ لَكَ فِي أَنْ تَتَعَلَّمَ مَا لَمْ تَعْلَمْ وَلَمَّا تَعْمَلْ بِمَا قَدْ عَلِمْتَ فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ مَثَلُ رَجُلٍ احْتَطَبَ حَطَبًا فَحَمَلَ حُزْمَةً وَذَهَبَ يَحْمِلُهَا فَعَجَزَ عَنْهَا فَضَمَّ إِلَيْهَا أُخْرَى.
وَقَوْلُهُ: يَا بُنَيَّ، إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تُوَاخِيَ رَجُلًا فَأَغْضِبْهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنْ أَنْصَفَكَ عِنْدَ غَضَبِهِ وَإِلَّا فَاحْذَرْهُ.
وَقَوْلُهُ: لِتَكُنْ كَلِمَتُكَ طَيِّبَةً، وَلْيَكُنْ وَجْهُكَ بَسْطًا تَكُنْ أَحَبَّ إِلَى النَّاسِ مِمَّنْ يُعْطِيهِمُ الْعَطَاءَ.
وَقَوْلُهُ: يَا بُنَيَّ، أَنْزِلْ نَفْسَكَ مِنْ صَاحِبِكَ مَنْزِلَةَ مَنْ لَا حَاجَةَ لَهُ بِكَ وَلَا بُدَّ لَكَ مِنْهُ.
يَا بُنَيَّ، كُنْ كَمَنْ لَا يَبْتَغِي مَحْمَدَةَ النَّاسِ وَلَا يَكْسِبُ ذَمَّهُمْ فَنَفْسُهُ مِنْهُ فِي عَنَاءٍ وَالنَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ.
وَقَوْلُهُ: يَا بُنَيَّ، امْتَنِعْ بِمَا يَخْرُجُ مِنْ فِيكَ فَإِنَّكَ مَا سَكَتَّ سَالِمٌ، وَإِنَّمَا يَنْبَغِي لَكَ مِنَ الْقَوْلِ مَا يَنْفَعُكَ.
وَأَنَا أُقَفِّي عَلَيْهَا مَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْآلُوسِيُّ. فَمِنْ ذَلِكَ مَا فِي «الْمُوَطَّأِ» فِيمَا جَاءَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ مِنْ كِتَابِ «الْجَامِعِ» : مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ لُقْمَانَ الْحَكِيمَ أَوْصَى ابْنَهُ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، جَالِسِ الْعُلَمَاءَ وَزَاحِمْهُمْ بِرُكْبَتَيْكَ فَإِنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْقُلُوبَ بِنُورِ الْعِلْمِ كَمَا يُحْيِي الْأَرْضَ الْمَيْتَةَ
بِوَابِلِ السَّمَاءِ.
جَوَابِيَ عَظِيمَةً يَصُبُّ فِيهَا المَاء الَّذِي يَفِيضُ مِنْ أَعْلَى السَّدِّ فَيُقِيمُونَ مِنْ ذَلِكَ مَا يَسْتَطِيعُونَ مِنْ تَوْفِيرِ الْمَاءِ الْمُخْتَزَنِ.
وَكَانَ سَدُّ مَأْرِبَ الَّذِي يُحْفَظُ فِيهِ سَيْلَ الْعَرِمِ شَرَعَ فِي بِنَائِهِ سَبَأُ أَوَّلُ مُلُوكِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَلَمْ يُتِمَّهُ فَأَتَمَّهُ ابْنُهُ حِمْيَرُ. وَأَمَّا مَا يُقَالُ مِنْ أَنَّ بِلْقِيسَ بَنَتْهُ فَذَلِكَ اشْتِبَاهٌ إِذْ لَعَلَّ بِلْقِيسَ بَنَتْ حَوْلَهُ خَزَّانَاتٍ أُخْرَى فَرْعِيَّةً أَوْ رَمَّمَتْ بِنَاءَهُ تَرْمِيمًا أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ الْبِنَاءِ، فَقَدْ كَانُوا
يَتَعَهَّدُونَ تِلْكَ السِّدَادَ بِالْإِصْلَاحِ وَالتَّرْمِيمِ كُلَّ سَنَةٍ حَتَّى تَبْقَى تُجَاهَ قُوَّةِ السُّيُولِ السَّاقِطَةِ فِيهَا.
وَكَانُوا يَجْعَلُونَ لِلسَّدِّ مَنَافِذَ مُغْلَقَةً يُزِيلُونَ عَنْهَا السَّكْرَ إِذَا أَرَادُوا إِرْسَالَ المَاء إِلَى الجنات على نوبات يُرْسل عِنْدهَا الْمَاءِ إِلَى الْجِهَاتِ الْمُتَفَرِّقَةِ الَّتِي تُسْقَى مِنْهُ إِذْ جَعَلُوا جَنَّاتِهِمْ حَوْلَ السَّدِّ مُجْتَمِعَةً. وَكَانَ يَصُبُّ فِي سَدِّ مَأْرِبَ سَبْعُونَ وَادِيًا.
وَجَعَلُوا هَذَا السَّدَّ بَيْنَ جَبَلَيْنِ يُعْرَفُ كِلَاهُمَا بِالْبَلَقِ فَهُمَا الْبَلَقُ الْأَيْمَنُ وَالْبَلَقُ الْأَيْسَرُ.
وَأَعْظَمُ الْأَوْدِيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَصُبُّ فِيهِ اسْمُهُ «إِذْنَهْ» فَقَالُوا: إِنَّ الْأَوْدِيَةَ كَانَتْ تَأْتِي إِلَى سبأ من الشحر وَأَوْدِيَةِ الْيَمَنِ.
وَهَذَا السَّدُّ حَائِطٌ طُولُهُ مِنَ الشَّرْقِ إِلَى الْغَرْبِ ثَمَانُمِائَةِ ذِرَاعٍ وَارْتِفَاعُهُ بِضْعَ عَشْرَةَ ذِرَاعًا وَعَرْضُهُ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ ذِرَاعًا.
وَقَدْ شَاهَدَهُ الْحَسَنُ الْهَمَدَانِيُّ وَوَصَفَهُ فِي كِتَابه الْمُسَمّى ب «الإكليل» وَهُوَ مِنْ أَهْلِ أَوَائِلِ الْقَرْنِ الرَّابِعِ بِمَا سَمِعْتُ حَاصِلَهُ. وَوَصَفَهُ الرَّحَّالَةُ (أَرْنُو) الْفَرَنْسِيُّ سَنَةَ ١٨٨٣ وَالرَّحَّالَةُ (غِلَازُرُ) الْفَرَنْسِيُّ.
وَلَا يُعْرَفُ وَقْتُ انْهِدَامِ هَذَا السَّدِّ وَلَا أَسْبَابُ ذَلِكَ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ سَبَبَ انْهِدَامِهِ اشْتِغَالُ مُلُوكِهِمْ بِحُرُوبٍ دَاخِلِيَّةٍ بَيْنَهُمْ أَلْهَتْهُمْ عَنْ تَفَقُّدِ تَرْمِيمِهِ حَتَّى تَخَرَّبَ، أَوْ يَكُونُ قَدْ خَرَّبَهُ بَعْضُ مَنْ حَارَبَهُمْ مِنْ أَعْدَائِهِمْ، وَأَمَّا مَا يُذْكَرُ فِي الْقَصَصِ مِنْ أَنَّ السَّدَّ خَرَّبَتْهُ الْجُرْذَانُ فَذَلِكَ مِنَ الْخُرَافَاتِ.
وَفِي الْعَرِمِ قَالَ النَّابِغَةُ الْجَعْدِيُّ:
سَبَقَ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ [٧٤].
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ. وَقَوْلُهُ: إِلْ ياسِينَ قِيلَ أُرِيدَ بِهِ إِلْيَاسُ خَاصَّةً وَعبر عَنهُ بياسين لِأَنَّهُ يُدْعَى بِهِ. قَالَ فِي «الْكَشَّافِ» : وَلَعَلَّ لِزِيَادَةِ الْأَلِفِ وَالنُّونِ فِي لُغَتِهِمْ مَعْنًى وَيَكُونُ ذِكْرُ آلِ إِقْحَامًا كَقَوْلِهِ: أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ [غَافِر: ٤٦] عَلَى أَحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ فِيهِ، وَفِي قَوْلِهِ: فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ [النِّسَاء: ٥٤].
وَقِيلَ: إِنَّ يَاسِينَ هُوَ أَبُو إِلْيَاسَ. فَالْمُرَادُ: سَلَامٌ عَلَى إِلْيَاسَ وَذَوِيهِ مِنْ آلِ أَبِيهِ.
وَقَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ إِلْ يَاسِينَ بِهَمْزَةٍ بَعْدَهَا أَلِفٌ عَلَى أَنَّهُمَا كَلِمَتَانِ إِلْ وَ (يَاسِينَ). وَقَرَأَهُ الْبَاقُونَ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ دُونَ أَلِفٍ بَعْدَهَا وَبِإِسْكَانِ اللَّامِ عَلَى أَنَّهَا كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ هِيَ اسْمُ إِلْيَاْسَ وَهِيَ مَرْسُومَةٌ فِي الْمَصَاحِفِ كُلِّهَا عَلَى قِطْعَتَيْنِ إِلْ يَاسِينَ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ لِأَنَّ آلَ قَدْ تُرْسَمُ مَفْصُولَةً عَنْ مَدْخُولِهَا. وَالْأَظْهَرُ أَن المُرَاد
بآل يَاسِينَ أَنْصَارُهُ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَأَعَانُوهُ كَمَا
قَالَ النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «آلُ مُحَمَّدٍ كُلُّ تَقِيٍّ»
(١).
وَهَؤُلَاءِ هُمْ أَهْلُ (جَبَلِ الْكَرْمَلِ) الَّذِينَ اسْتَنْجَدَهُمْ إِلْيَاسُ عَلَى سَدَنَةِ بَعْلٍ فَأَطَاعُوهُ وَأَنْجَدُوهُ وَذَبَحُوا سَدَنَةَ بَعْلٍ كَمَا هُوَ مَوْصُوفٌ بِإِسْهَابٍ فِي الْإِصْحَاحِ الثَّامِنِ عَشَرَ مِنْ سِفْرِ الْمُلُوكِ الْأَوَّلِ. فَيَكُونُ الْمَعْنَى: سَلَامٌ عَلَى يَاسِينَ وَآلِهِ، لِأَنَّهُ إِذَا حَصَلَتْ لَهُمُ الْكَرَامَةُ لِأَنَّهُمْ آلُهُ فَهُوَ بِالْكَرَامَةِ أَوْلَى.
وَفِي قِصَّةِ إِلْيَاسَ إِنْبَاءٌ بِأَنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ أَدَاءُ الرِّسَالَةِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُشَاهِدَ عِقَابَ الْمُكَذِّبِينَ وَلَا هَلَاكَهُمْ لِلرَّدِّ عَلَى الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَالُوا: مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [يُونُس: ٤٨] قَالَ تَعَالَى: قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَإِنَّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ [الْمُؤْمِنُونَ: ٩٣- ٩٥]، وَقَالَ تَعَالَى:
فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ [غَافِر: ٧٧] وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ [مَرْيَم: ٤٠].
[١٣٣- ١٣٦]
_________
(١) رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «الْأَوْسَط» بِسَنَد ضعّفوه.
لَهُمْ، فَفِيهِ عِلْمُ مَا لَمْ يَعْلَمْهُ الْمُتَعَلِّمُونَ، وَفِيهِ ذِكْرَى لِمَا عَلِمَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْهُمْ، وَتَشْمَلُ الذِّكْرَى اسْتِنْبَاطَ الْأَحْكَامِ مِنْ نُصُوصِ الْكِتَابِ وَهُوَ الَّذِي يَخْتَصُّ بِالْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ مِنْ أَنْبِيَائِهِمْ
وَقُضَاتِهِمْ وَأَحْبَارِهِمْ، فَيَكُونُ لِأُولِي الْأَلْبابِ مُتَعَلقا ب ذِكْرى.
وَأولُوا الْأَلْبَابِ: أولو الْعُقُولِ الرَّاجِحَةِ الْقَادِرَةِ على الاستنباط.
[٥٥]
[سُورَة غَافِر (٤٠) : آيَة ٥٥]
فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (٥٥)
تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا [غَافِر: ٥١] أَيْ فَاعْلَمْ أَنَّا نَاصِرُوكَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاصْبِرْ عَلَى مَا تُلَاقِيهِ مِنْ قَوْمِكَ وَلَا تَهِنْ.
وَجُمْلَةُ: إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ تَعْلِيلٌ لِلْأَمْرِ بِالصَّبْرِ. وإِنَّ لِلِاهْتِمَامِ بِالْخَبَرِ وَهِيَ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ تُغْنِي غَنَاءَ فَاءِ التَّعْلِيلِ فَكَأَنَّهُ قِيلَ: فَوَعْدُ اللَّهِ حَقٌّ وَيُفَادُ بِأَنَّ التَّأْكِيدَ الَّذِي هُوَ لِلِاهْتِمَامِ وَالتَّحْقِيقِ.
وَوَعْدُ اللَّهِ هُوَ وَعْدُ رَسُولِهِ بِالنَّصْرِ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ وَفِي غَيْرِ مَا آيَةٍ. وَالْمعْنَى لَا تستبطىء النَّصْرَ فَإِنَّهُ وَاقِعٌ، وَذَلِكَ مَا نُصِرَ بِهِ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَيَّامِهِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ وَيَوْمَ الْفَتْحِ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ وَفِي أَيَّامِ الْغَزَوَاتِ الْأُخْرَى. وَمَا عَرَضَ مِنَ الْهَزِيمَةِ يَوْمَ أُحُدٍ كَانَ امْتِحَانًا وَتَنْبِيهًا عَلَى سُوءِ مَغَبَّةِ عَدَمِ الْحِفَاظِ عَلَى وَصِيَّةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا يَبْرَحُوا مِنْ مَكَانِهِمْ ثُمَّ كَانَتِ الْعَاقِبَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ.
وَعُطِفَ عَلَى الْأَمْرِ بِالصَّبْرِ الْأَمْرُ بِالِاسْتِغْفَارِ وَالتَّسْبِيحِ فَكَانَا دَاخِلَيْنِ فِي سِيَاقِ التَّفْرِيعِ عَلَى الْوَعْد بالنصر رمز إِلَى تَحْقِيقِ الْوَعْدِ لِأَنَّهُ أَمَرَ عَقِبَهُ بِمَا هُوَ مِنْ آثَارِ الشُّكْرِ كِنَايَةً عَنْ كَوْنِ نِعْمَةِ النَّصْرِ حَاصِلَةً لَا مَحَالَةَ، وَهَذِهِ كِنَايَةٌ رَمْزِيَّةٌ.
وَالْأَمْرُ بِالِاسْتِغْفَارِ أَمْرٌ بِأَنْ يَطْلُبَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى الْمَغْفِرَةَ الَّتِي اقْتَضَتْهَا النُّبُوءَةُ،
جِبَالًا فَيَعْسُرَ عَلَى الْمَاشِينَ سُلُوكُهَا، بَلْ جَعَلَ فِيهَا سُبُلًا سَهْلَةً وَجَعَلَ جِبَالًا لِحِكْمَةٍ أُخْرَى وَلِأَنَّ الْأَرْضَ صَالِحَةٌ لِاتِّخَاذِ طُرُقٍ مَطْرُوقَةٍ سَابِلَةٍ.
وَمَعْنَى جَعْلِ اللَّهِ تِلْكَ الطُّرُقَ بِهَذَا الْمَعْنَى: أَنَّهُ جَعَلَ لِلنَّاسِ مَعْرِفَةَ السَّيْرِ فِي الْأَرْضِ وَاتِّبَاعَ بَعْضِهِمْ آثَارَ بَعْضٍ حَتَّى تَتَعَبَّدَ الطُّرُقُ لَهُمْ وَتَتَسَهَّلَ وَيَعْلَمَ السَّائِرُ، أَيَّ تِلْكَ السُّبُلِ يُوصِلُهُ إِلَى مَقْصِدِهِ.
وَفِي تَيْسِيرِ وَسَائِلِ السَّيْرِ فِي الْأَرْضِ لُطْفٌ عَظِيمٌ لِأَنَّ بِهِ تَيْسِيرَ التَّجَمُّعِ وَالتَّعَارُفِ وَاجْتِلَابَ الْمَنَافِعِ وَالِاسْتِعَانَةَ عَلَى دَفْعِ الْغَوَائِلِ وَالْأَضْرَارِ وَالسَّيْرُ فِي الْأَرْضِ قَرِيبًا أَوْ بَعِيدًا مِنْ أَكْبَرِ مَظَاهِرِ الْمَدَنِيَّةِ الْإِنْسَانِيَّةِ، وَلِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَ فِي الْأَرْضِ مَعَايِشَ النَّاسِ مِنَ النَّبَاتِ وَالثَّمَرِ وَوَرَقِ الشَّجَرِ وَالْكَمْأَةِ وَالْفَقْعِ وَهِيَ وَسَائِلُ الْعَيْشِ فَهِيَ سُبُلٌ مَجَازِيَّةٌ. وَتَقَدَّمَ نَظِيرُ
هَذِهِ الْآيَةِ فِي سُورَةِ طه.
وَالِاهْتِدَاءُ: مُطَاوِعُ هَدَاهُ فَاهْتَدَى. وَالْهِدَايَةُ حَقِيقَتُهَا: الدَّلَالَةُ عَلَى الْمَكَانِ الْمَقْصُودِ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الدَّالُّ عَلَى الطَّرَائِقِ هَادِيًا، وَتُطْلَقُ عَلَى تَعْرِيفِ الْحَقَائِقِ الْمَطْلُوبَةِ وَمِنْهُ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ [الْمَائِدَة: ٤٤]. وَالْمَقْصُودُ هُنَا الْمَعْنَى الثَّانِي، أَيْ رَجَاءَ حُصُولِ عِلْمِكُمْ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ وَبِمَا يَجِبُ لَهُ، وَتَقَدَّمَ فِي اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ [الْفَاتِحَة: ٦].
وَمَعْنَى الرَّجَاءِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ (لَعَلَّ) اسْتِعَارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ تَبَعِيَّةٌ، مَثَّلَ حَالَ مَنْ كَانَتْ وَسَائِلُ الشَّيْءِ حَاضِرَةً لَدَيْهِ بِحَالِ مَنْ يُرْجَى لِحُصُولِ المتوسل إِلَيْهِ.
[١١]
[سُورَة الزخرف (٤٣) : آيَة ١١]
وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ تُخْرَجُونَ (١١)
انْتَقَلَ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ وَالِامْتِنَانِ بِخَلْقِ الْأَرْضِ إِلَى الِاسْتِدْلَالِ وَالِامْتِنَانِ بِخَلْقِ وَسَائِلِ الْعَيْشِ فِيهَا، وَهُوَ مَاءُ الْمَطَرِ الَّذِي بِهِ تُنْبِتُ الْأَرْضُ مَا يصلح لاقيات النَّاسِ.
وَأُعِيدَ اسْمُ الْمَوْصُولِ لِلِاهْتِمَامِ بِهَذِهِ الصِّلَةِ اهْتِمَامًا يَجْعَلُهَا مُسْتَقِلَّةً فَلَا يَخْطُرُ حُضُورُهَا بِالْبَالِ عِنْدَ حُظُورِ الصِّلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَهَا فَلَا جَامِعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُمَا فِي الْجَامِعِ
يَأْتِي وَهُمْ ظَنُّوهُ تَمَالُؤًا مِنْ جَيْشِ الْحُدَيْبِيَةِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَفْهَمُوا حِكْمَتَهُ وَسَبَبَهُمْ. وَإِنَّمَا نَفَى اللَّهُ عَنْهُمُ الْفَهْمَ دُونَ الْإِيمَانِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا جَاهِلِينَ بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ وَنُظُمِهِ.
وَأَفَادَ قَوْلُهُ: لَا يَفْقَهُونَ انْتِفَاءَ الْفَهْمِ عَنْهُمْ لِأَنَّ الْفِعْلَ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ كَالنَّكِرَةِ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ يَعُمُّ، فَلِذَلِكَ اسْتَثْنَى مِنْهُ بِقَوْلِهِ: إِلَّا قَلِيلًا أَيْ إِلَّا فَهْمًا قَلِيلًا وَإِنَّمَا قَلَّلَهُ لِكَوْنِ فَهْمِهِمْ مُقْتَصِرًا عَلَى الْأُمُورِ الْوَاضِحَةِ مِنَ الْعَادِيَّاتِ لَا يَنْفُذُ إِلَى الْمُهِمَّاتِ وَدَقَائِقِ الْمَعَانِي، وَمِنْ ذَلِكَ ظَنُّهُمْ حِرْمَانَهُمْ مِنْ الِالْتِحَاقِ بِجَيْشِ غَزْوَةِ خَيْبَرَ مُنْبَعِثًا عَلَى الْحَسَدِ. وَقَدْ جَرَوْا فِي ظَنِّهِمْ هَذَا عَلَى الْمَعْرُوفِ مِنْ أَهْلِ الْأَنْظَارِ الْقَاصِرَةِ وَالنُّفُوسِ الضَّئِيلَةِ مِنَ التَّوَسُّمِ فِي أَعْمَالِ أَهِلِ الْكَمَالِ بِمِنْظَارِ مَا يَجِدُونَ مِنْ دَوَاعِي أَعْمَالِهِمْ وَأَعْمَالِ خُلَطَائِهِمْ.
وقَلِيلًا وَصْفٌ لِلْمُسْتَثْنَى الْمَحْذُوفِ، وَالتَّقْدِيرُ: إِلَّا فقها قَلِيلا.
[١٦]
[سُورَة الْفَتْح (٤٨) : آيَة ١٦]
قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٦)
انْتِقَالٌ إِلَى طَمْأَنَةِ الْمُخَلَّفِينَ بِأَنَّهُمْ سَيَنَالُونَ مَغَانِمَ فِي غَزَوَاتٍ آتِيَةٍ لِيَعْلَمُوا أَنَّ حِرْمَانَهُمْ مِنَ الْخُرُوجِ إِلَى خَيْبَرَ مَعَ جَيْشِ الْإِسْلَامِ لَيْسَ لِانْسِلَاخِ الْإِسْلَامِ عَنْهُمْ وَلَكِنَّهُ لِحِكْمَةِ نَوْطِ
الْمُسَبِّبَاتِ بِأَسْبَابِهَا عَلَى طَرِيقَةِ حِكْمَةِ الشَّرِيعَةِ فَهُوَ حِرْمَانٌ خَاصٌّ بِوَقْعَةٍ مُعَيَّنَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا، وَأَنَّهُمْ سَيُدْعَوْنَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى قِتَالِ قَوْمٍ كَافِرِينَ كَمَا تُدْعَى طَوَائِفُ الْمُسْلِمِينَ، فَذِكْرُ هَذَا فِي هَذَا الْمَقَامِ إِدْخَالٌ لِلْمَسَرَّةِ بَعْدَ الْحُزْنِ لِيُزِيلَ عَنْهُمُ انْكِسَارَ خَوَاطِرِهِمْ مِنْ جَرَّاءِ الْحِرْمَانِ.
وَفِي هَذِهِ الْبِشَارَةِ فُرْصَةٌ لَهُمْ لِيَسْتَدْرِكُوا مَا جَنَوْهُ مِنَ التَّخَلُّفِ عَنِ الْحُدَيْبِيَةِ وَكُلُّ ذَلِكَ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَنْسَلِخُوا عَنِ الْإِيمَانِ، أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُعَامِلِ الْمُنَافِقِينَ الْمُبْطِنِينَ لِلْكُفْرِ بِمِثْلِ هَذِهِ الْمُعَامَلَةِ فِي قَوْلِهِ: فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ [التَّوْبَة: ٨٣].
لِأَشِعَّةِ الشَّمْسِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَحْدُثَ مِثْلُهَا بِالنِّسْبَةِ لِضَوْءِ الْقَمَرِ عَلَى أَنَّهُ نَادِرٌ جِدًّا وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ [١٧١].
وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا
أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كُسِفَ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: سُحِرَ الْقَمَرُ فَنَزَلَتِ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ
الْآيَةَ فَسَمَّاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ كُسُوفًا تَقْرِيبًا لِنَوْعِهِ.
وَهَذَا الْوَجْهُ لَا يُنَافِي كَوْنَ الِانْشِقَاقِ مُعْجِزَةً لِأَنَّ حُصُولَهُ فِي وَقْتِ سُؤَالِهِمْ مِنَ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آيَةً وَإِلْهَامَ اللَّهِ إِيَّاهُمْ أَنْ يَسْأَلُوا ذَلِكَ فِي حِينِ تَقْدِيرِ اللَّهِ كَافٍ فِي كَوْنِهِ آيَةَ صِدْقٍ.
أَوْ لِأَنَّ الْوَحْيَ إِلَى النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ يَتَحَدَّاهُمْ بِهِ قَبْلَ حُصُولِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ إِذْ لَا قِبَلَ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَعْرِفَةِ أَوْقَاتِ ظَوَاهِرِ التَّغَيُّرَاتِ لِلْكَوَاكِبِ. وَبِهَذَا الْوَجْهِ يَظْهَرُ اخْتِصَاصُ ظُهُورِ ذَلِكَ بِمَكَّةَ دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الْعَالَمِ، وَإِمَّا عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فَإِنَّمَا لَمْ يَشْعُرْ بِهِ غَيْرُ أَهْلِ مَكَّة من أهل الْأَرْضِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مُتَأَهِّبِينَ إِلَيْهِ إِذْ كَانَ ذَلِكَ لَيْلًا وَهُوَ وَقْتُ غَفْلَةٍ أَوْ نَوْمٍ وَلِأَنَّ الْقَمَرَ لَيْسَ ظُهُورُهُ فِي حَدٍّ وَاحِدٍ لِأَهْلِ الْأَرْضِ فَإِنَّ مَوَاقِيتَ طُلُوعِهِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْبُلْدَانِ فِي سَاعَاتِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَفِي مُسَامَتَةِ السَّمَاءِ.
قَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: هُوَ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ. وَتَقْدِيرُهُ: انْشَقَّ الْقَمَرُ وَاقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ، أَيْ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي تَرْتِيبِ الْأَخْبَارِ أَنْ يَجْرِيَ عَلَى تَرْتِيبِهَا فِي الْوُقُوعِ وَإِنْ كَانَ الْعَطْفُ بِالْوَاوِ لَا يَقْتَضِي تَرْتِيبًا فِي الْوُقُوعِ.
وَانْشَقَّ مُطَاوِعُ شَقَّهُ، وَالشَّقُّ: فَرَجٌ وَتَفَرُّقٌ بَيْنَ أَدِيمِ جِسْمٍ مَا بِحَيْثُ لَا تَنْفَصِلُ قِطْعَةُ مَجْمُوعِ ذَلِكَ الْجِسْمِ عَنِ الْبَقِيَّةِ، وَيُسَمَّى أَيْضًا تَصَدُّعًا كَمَا يَقَعُ فِي عُودٍ أَوْ جِدَارٍ.
فَإِطْلَاقُ الِانْشِقَاقِ عَلَى حُدُوثِ هُوَّةٍ فِي سَطْحِ الْقَمَرِ إِطْلَاقٌ حَقِيقِيٌّ وَإِطْلَاقُهُ عَلَى انْطِمَاسِ بَعْضِ ضَوْئِهِ اسْتِعَارَةٌ، وَإِطْلَاقُهُ عَلَى تَفَرُّقِهِ نِصْفَيْنِ مَجَازٌ مُرْسَلٌ.
وَالِاقْتِرَابُ أَصْلُهُ صِيغَةُ مُطَاوَعَةٍ، أَيْ قَبُولُ فِعْلِ الْفَاعِلِ، وَهُوَ هُنَا لِلْمُبَالَغَةِ فِي الْقُرْبِ فَإِنْ حُمِلَ عَلَى حَقِيقَةِ الْقُرْبِ فَهُوَ قُرْبٌ اعْتِبَارِيٌّ، أَيْ قُرْبُ حُلُولِ السَّاعَةِ
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ بَيَانًا لِلْكُفَّارِ، أَيِ الْكُفَّارُ الَّذِينَ هَلَكُوا وَرَأَوْا أَنْ لَا حَظَّ لَهُمْ فِي خَيْرِ الْآخِرَةِ فَشُبِّهَ إِعْرَاضُ الْيَهُودِ عَنِ الْآخِرَةِ بِيَأْسِ الْكُفَّارِ مِنْ نَعِيمِ الْآخِرَةِ، وَوَجْهُ الشَّبَهِ تَحَقُّقُ عَدَمِ الِانْتِفَاعِ بِالْآخِرَةِ. وَالْمَعْنَى كَيَأْسِ الْكُفَّارِ الْأَمْوَاتِ، أَيْ يَأْسًا مِنَ الْآخِرَةِ.
وَالْمُشَبَّهُ بِهِ مَعْلُومٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِالِاعْتِقَادِ فَالْكَلَامُ مِنْ تَشْبِيهِ الْمَحْسُوسِ بِالْمَعْقُولِ.
وَفِي اسْتِعَارَةِ الْيَأْسِ لِلْإِعْرَاضِ ضَرْبٌ مِنَ الْمُشَاكَلَةِ أَيْضًا.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ يَأْسُهُمْ مِنَ الْآخِرَةِ أُطْلِقَ عَلَى حِرْمَانِهِمْ مِنْ نَعِيمِ الْحَيَاةِ الْآخِرَةِ.
فَالْمَعْنَى: قَدْ أَيْأَسْنَاهُمْ مِنَ الْآخِرَةِ عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ وَلِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي فِي سُورَةِ الْعَنْكَبُوتِ [٢٣].
وَمِنَ الْمُفَسِّرِينَ الْأَوَّلِينَ مَنْ حَمَلَ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى مَعْنَى التَّأْكِيدِ لِمَا فِي أَوَّلِ السُّورَةِ مِنْ قَوْلِهِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ [الممتحنة: ١] فَالْقَوْمُ الَّذِينَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هُمُ الْمُشْرِكُونَ فَإِنَّهُمْ وُصِفُوا بِالْعَدُوِّ لِلَّهِ وَالْعَدُوُّ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِ وَنُسِبَ هَذَا إِلَى ابْنِ عَبَّاس. وَجعل بأسهم مِنَ الْآخِرَةِ هُوَ إِنْكَارَهُمُ الْبَعْثَ.
وَجَعْلُ تَشْبِيهِ يَأْسِهِمْ مِنَ الْآخِرَةِ بِيَأْسِ الْكُفَّارِ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ أَنَّ يَأْسَ الْكُفَّارِ الْأَحْيَاءِ كَيَأْسِ الْأَمْوَاتِ مِنَ الْكُفَّارِ، أَيْ كَيَأْسِ أَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ هُمْ فِي الْقُبُورِ إِذْ كَانُوا فِي مُدَّةِ حَيَاتِهِمْ آيِسِينَ مِنَ الْآخِرَةِ فَتَكُونُ مِنَ بَيَانِيَّةً صِفَةً لِلْكُفَّارِ، وَلَيْسَتْ مُتَعَلِّقَةً بِفِعْلِ يَئِسَ فَلَيْسَ فِي لَفْظِ الْكُفَّارُ إِظْهَارٌ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ يُشَبَّهَ الشَّيْءُ بِنَفْسِهِ كَمَا قَدْ تُوُهِّمَ.
أَرَادَ إِبْطَالَ أَنْ يَكُونَ مَلَّهَا بِحُجَّةِ أَنَّهَا خُلِقَتْ حَبِيبَةً لَهُ كَمَا خُلِقَ مَحْبُوبُهَا، أَيْ أَنَّ مَحَبَّتَهُ إِيَّاهَا لَا تَنْفَكُّ عَنْهُ.
وَالْهَلَعُ: صِفَةٌ غَيْرُ مَحْمُودَةٍ، فَوَصْفُ الْإِنْسَانِ هُنَا بِهَا لَوْمٌ عَلَيْهِ فِي تَقْصِيرِهِ عَنِ التَّخَلُّقِ بِدَفْعِ آثَارِهَا، وَلِذَلِكَ ذُيِّلَ بِهِ قَوْلُهُ: وَجَمَعَ فَأَوْعى [المعارج: ١٨] عَلَى كِلَا مَعْنَيَيْهِ.
وَانْتَصَبَ جَزُوعاً عَلَى الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ الْمُسْتَتِرِ فِي هَلُوعاً، أَوْ عَلَى الْبَدَلِ بَدَلِ اشْتِمَالٍ لِأَنَّ حَالَ الْهَلَعِ يَشْتَمِلُ عَلَى الْجَزَعِ عِنْدَ مَسِّ الشَّرِّ.
وَقَوْلُهُ: مَنُوعاً عَطْفٌ عَلَى جَزُوعاً، أَيْ خُلِقَ هَلُوعًا فِي حَالِ كَوْنِهِ جَزُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ، وَمَنُوعًا إِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ.
والشَّرُّ: الْأَذَى مِثْلُ الْمَرَضِ وَالْفَقْرِ.
والْخَيْرُ: مَا يَنْفَعُ الْإِنْسَانَ وَيُلَائِمُ رَغَبَاتِهِ مِثْلَ الصِّحَّةِ وَالْغِنَى.
وَالْجَزُوعُ: الشَّدِيدُ الْجَزَعِ، وَالْجَزَعُ: ضِدُّ الصَّبْرِ.
وَالْمَنُوعُ: الْكَثِيرُ الْمَنْعِ، أَيْ شَدِيدُ الْمَنْعِ لِبَذْلِ شَيْءٍ مِمَّا عِنْدَهُ مِنَ الْخَيْرِ.
وإِذا فِي الْمَوْضِعَيْنِ ظَرْفَانِ يَتَعَلَّقَانِ كُلُّ وَاحِدٍ بِمَا اتَّصَلَ بِهِ مِنْ وَصْفَيْ جَزُوعاً ومَنُوعاً.
وَإِيقَاظِ الْمُشْرِكِينَ لِلنَّظَرِ فِي الْأُمُورِ الَّتِي صَرَفَتْهُمْ عَنِ الِاعْتِرَافِ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَنِ النَّظَرِ فِي دَلَائِلِ وُقُوعِ الْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ.
وَالْأَعْلَامِ بِأَنَّ الْأَعْمَالَ مُحْصَاةٌ. وَبَيَانِ جَزَاءِ الْأَعْمَالِ خَيْرِهَا وَشَرِّهَا.
وَإِنْذَارِ النَّاسِ بِأَنْ لَا يَحْسَبُوا شَيْئًا يُنْجِيهِمْ مِنْ جَزَاءِ اللَّهِ إيَّاهُم على سيّىء أَعْمَالهم.
[١- ٥]
[سُورَة الانفطار (٨٢) : الْآيَات ١ إِلَى ٥]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤)
عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥)
الِافْتِتَاحُ بِ إِذَا افْتِتَاحٌ مُشَوِّقٌ لِمَا يَرِدُ بَعْدَهَا مِنْ مُتَعَلِّقِهَا الَّذِي هُوَ جَوَابُ مَا فِي (إِذَا) مِنْ مَعْنَى الشَّرْطِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، سِوَى أَنَّ الْجُمَلَ الْمُتَعَاطِفَةَ الْمُضَافَ إِلَيْهَا هِيَ هُنَا أَقَلُّ مِنَ اللَّاتِي فِي سُورَةِ التَّكْوِيرِ لِأَنَّ الْمَقَامَ لَمْ يَقْتَضِ تَطْوِيلَ الْإِطْنَابِ كَمَا اقْتَضَاهُ الْمَقَامُ فِي سُورَةِ التَّكْوِيرِ وَإِنْ كَانَ فِي كِلْتَيْهِمَا مُقْتَضٍ لِلْإِطْنَابِ لَكِنَّهُ مُتَفَاوِتٌ لِأَنَّ سُورَةَ التَّكْوِيرِ مِنْ أَوَّلِ السُّوَرِ نُزُولًا كَمَا عَلِمْتَ آنِفًا.
وَأَمَّا سُورَةُ الِانْفِطَارِ فَبَيْنَهَا وَبَيْنَ سُورَةِ التَّكْوِيرِ أَرْبَعٌ وَسَبْعُونَ سُورَةً تَكَرَّرَ فِي بَعْضِهَا إِثْبَاتُ الْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ وَالْإِنْذَارِ وَتَقَرَّرَ عِنْدَ المخاطبين فأغنى عَن تَطْوِيلُ الْإِطْنَابِ وَالتَّهْوِيلِ.
وإِذَا ظَرْفٌ لِلْمُسْتَقْبَلِ مُتَضَمِّنٌ مَعْنَى الشَّرْطِ.
وَالْمُعْرِبُونَ يَقُولُونَ: خَافِضٌ لِشَرْطِهِ مَنْصُوبٌ بِجَوَابِهِ، وَهِيَ عِبَارَةٌ حَسَنَةٌ جَامِعَةٌ.
وَالْقَوْلُ فِي الْجُمَلِ الَّتِي أُضِيفَ إِلَيْهَا إِذَا مِنْ كَوْنِهَا جُمَلًا مُفْتَتَحَةً بِمُسْنِدٍ إِلَيْهِ مُخْبَرٍ عَنْهُ بِمَسْنَدٍ فِعْلِيٍّ دُونَ أَنْ يُؤْتَى بِالْجُمْلَةِ الْفِعْلِيَّةِ وَدُونَ تَقْدِيرِ أَفْعَالٍ مَحْذُوفَةٍ قَبْلَ الْأَسْمَاءِ، لِقَصْدِ الِاهْتِمَامِ بِالْمُسْنَدِ إِلَيْهِ وَتَقْوِيَةِ الْخَبَرِ.


الصفحة التالية
الموسوعة القرآنية Quranpedia.net - © 2024
Icon
مِنْ سَبَأِ الْحَاضِرِينَ مَأْرِبُ إِذْ يَبْنُونَ مِنْ دُونِ سَيْلِهِ الْعَرِمَا