الْآيَةَ.
وَغَيَّرَ الْأُسْلُوبَ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ إِذِ انْتَقَلَ مِنْ خِطَابِ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى الْحَدِيثِ عَنْهُمْ بِضَمِيرِ الْغَيْبَةِ لِقَصْدِ الِاتِّعَاظِ بِحَالِهِمْ وَتَعْرِيضًا بِأَنَّهُمْ مُتَمَادُونَ عَلَى غَيِّهِمْ وَلَيْسُوا مُسْتَفِيقِينَ مِنْ ضَلَالِهِمْ فَهُمْ بِحَيْثُ لَا يُقِرُّونَ بِأَنَّهُمْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ. وَهَذَا الظُّلْمُ الَّذِي قُدِّرَ فِي نَظْمِ الْآيَةِ هُوَ ضَجَرُهُمْ مِنْ مُدَاوَمَةِ أَكْلِ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى الَّذِي سَيَأْتِي ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ [الْبَقَرَة: ٦١] الْآيَةَ فَكَانَ قَوْلُهُ: وَما ظَلَمُونا تَمْهِيدًا لَهُ وَتَعْجِيلًا بِتَسْجِيلِ قِلَّةِ شُكْرِهِمْ عَلَى نِعَمِ اللَّهِ وَعِنَايَتِهِ بِهِمْ إِذْ كَانَتْ شَكِيمَتُهُمْ لَمْ تُلَيِّنْهَا الزَّوَاجِرُ وَلَا الْمَكَارِمُ.
وَقَوْلُهُ: وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ قَدَّمَ فِيهِ الْمَفْعُولَ لِلْقَصْرِ وَقَدْ حَصَلَ الْقَصْرُ أَوَّلًا بِمُجَرَّدِ الْجَمْعِ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ ثُمَّ أُكِّدَ بِالتَّقْدِيمِ لِأَنَّ حَالَهُمْ كَحَالِ مَنْ يَنْكِي غَيْرَهُ كَمَا قِيلَ: يَفْعَلُ الْجَاهِلُ بِنَفْسِهِ مَا يَفْعَلُ الْعَدو بعدوه.
[٥٨، ٥٩]
[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : الْآيَات ٥٨ إِلَى ٥٩]
وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)
هَذَا تَذْكِيرٌ بِنِعْمَةٍ أُخْرَى مُكِّنُوا مِنْهَا فَمَا أَحْسَنُوا قَبُولَهَا وَلَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَحُرِمُوا مِنْهَا إِلَى حِينٍ وَعُوقِبَ الَّذِينَ كَانُوا السَّبَبَ فِي عَدَمِ قَبُولِهَا. وَفِي التَّذْكِيرِ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ امْتِنَانٌ
عَلَيْهِمْ بِبَذْلِ النِّعْمَةِ لَهُمْ لِأَنَّ النِّعْمَةَ نِعْمَةٌ وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْهَا الْمُنْعَمُ عَلَيْهِ، وَإِثَارَةٌ لِحَسْرَتِهِمْ عَلَى مَا فَاتَ أَسْلَافَهُمْ وَمَا لَقُوهُ مِنْ جَرَّاءِ إِعْجَابِهِمْ بِآرَائِهِمْ، وَمَوْعِظَةٌ لَهُمْ أَنْ لَا يَقَعُوا فِيمَا وَقَعَ فِيهِ الْأَوَّلُونَ فَقَدْ عَلِمُوا أَنَّهُمْ كُلَّمَا صَدَفُوا عَنْ قَدْرِ حَقِّ النِّعَمِ نَالَتْهُمُ الْمَصَائِبُ. قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ: مَنْ لَمْ يَشْكُرِ النِّعَمِ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِزَوَالِهَا، وَمَنْ شَكَرَهَا فَقَدْ قَيَّدَهَا بِعِقَالِهَا.
وَلِعِلْمِ الْمُخَاطَبِينَ بِمَا عَنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ اخْتُصِرَ فِيهَا الْكَلَامُ اخْتِصَارًا تَرَكَ كَثِيرًا مِنَ الْمُفَسِّرِينَ فِيهَا حَيَارَى، فَسَلَكُوا طَرَائِقَ فِي انْتِزَاعِ تَفْصِيلِ الْمَعْنَى مِنْ مُجْمَلِهَا فَمَا أَتَوْا عَلَى شَيْءٍ مُقْنِعٍ، وَكُنْتَ تَجِدُ أَقْوَالَهُمْ هُنَا إِذَا الْتَأَمَ
حُصُولِهِ إِذْ كَانُوا يَسْأَلُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ، ثُمَّ تَوْقِيتُهُ بِمَا هُوَ مَجْهُولٌ لَهُمْ إِبْهَامًا آخَرَ لِلتَّهْوِيلِ وَالتَّحْذِيرِ مِنْ مُفَاجَأَتِهِ، وَأُبْرِزَ فِي صُورَةِ التَّوْقِيتِ لِلتَّشْوِيقِ إِلَى الْبَحْثِ عَنْ تَقْدِيرِهِ، فَإِذَا بَاءَ الْبَاحِثُ بِالْعَجْزِ عَنْ أَخْذٍ بِحِيطَةِ الِاسْتِعْدَادِ لِحُلُولِهِ بِمَا يُنْجِيهِ مِنْ مَصَائِبِهِ الَّتِي قُرِعَتْ بِهِ الْأَسْمَاعُ فِي آيٍ كَثِيرَةٍ.
فَحَصَلَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ تَهْوِيلٌ شَدِيدٌ بِثَمَانِيَةِ طُرُقٍ: وَهِيَ الِابْتِدَاءُ بِاسْمِ الْقَارِعَةِ، الْمُؤْذِنِ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، وَالِاسْتِفْهَامُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي التَّهْوِيلِ، وَالْإِظْهَارُ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ أَوَّلَ مَرَّةٍ، والاستفهام عَمَّا ينبىء بِكُنْهِ الْقَارِعَةِ، وَتَوْجِيهُ الْخِطَابِ إِلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَالْإِظْهَارُ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ ثَانِيَ مَرَّةٍ، وَالتَّوْقِيتُ بِزَمَانٍ مَجْهُولٍ حُصُولِهِ وَتَعْرِيفُ ذَلِكَ الْوَقْتِ بِأَحْوَالٍ مَهُولَةٍ.
وَالْفَرَاشُ: فَرْخُ الْجَرَادِ حِينَ يَخْرُجُ مِنْ بَيْضِهِ مِنَ الْأَرْضِ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا وَهُوَ مَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ [الْقَمَر: ٧]. وَقَدْ يُطْلَقُ الْفَرَاشُ عَلَى مَا يَطِيرُ مِنَ الْحَشَرَاتِ وَيَتَسَاقَطُ عَلَى النَّارِ لَيْلًا وَهُوَ إِطْلَاقٌ آخَرُ لَا يُنَاسِبُ تَفْسِيرَ لَفْظِ
الْآيَةِ هُنَا بِهِ.
والْمَبْثُوثِ: الْمُتَفَرِّقُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ.
وَجُمْلَةُ: وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ وَجُمْلَةِ: فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ [القارعة: ٦] إِلَخْ. وَهُوَ إِدْمَاجٌ لِزِيَادَةِ التَّهْوِيلِ.
وَوَجْهُ الشَّبَهِ كَثْرَةُ الِاكْتِظَاظِ عَلَى أَرْضِ الْمَحْشَرِ.
وَالْعِهْنُ: الصُّوفُ، وَقِيلَ: يَخْتَصُّ بِالْمَصْبُوغِ الْأَحْمَرِ، أَوْ ذِي الْأَلْوَانِ، كَمَا فِي قَوْلِ زُهَيْرٍ:
كَأَنَّ فُتَاتَ الْعِهْنِ فِي كُلِّ مَنْزِلٍ | نَزَلْنَ بِهِ حَبُّ الْفَنَا لَمْ يُحَطَّمِ |
وَالْمَنْفُوشُ: الْمُفَرَّقُ بَعْضُ أَجْزَائِهِ عَنْ بَعْضٍ لِيُغْزَلَ أَوْ تُحْشَى بِهِ الْحَشَايَا، وَوَجْهُ