ما هو توقيفي، أما القسم الاجتهادي فإنه لا يستند إلى دليل يدل على أن ترتيبه اجتهادي؛ إذ إن ثبوت التوقيفي بأدلته لا يعني أن ما سواه اجتهادي، مع أنه قليل جدًّا.
وبهذا يترجح أن ترتيب السور توقيفي كترتيب الآيات١.
وقال أبو بكر بن الأنباري٢: "أنزل الله القرآن كله إلى سماء الدنيا، ثم فرقه في بضع وعشرين، فكانت السورة تنزل لأمر يحدث، والآية جوابًا لمستخبر، ويوقف جبريل النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- على موضع الآية والسورة، فاتساق السور كاتساق الآيات والحروف كله عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- فمن قدم سورة أو أخَّرها فقد أفسد نظم القرآن"٣.
وقال الزركشي: قال بعض مشايخنا المحققين: قد وهم من قال: لا يطلب للآي الكريمة مناسبة؛ لأنها على حسب الوقائع المتفرقة، وفصل الخطاب أنها على حسب الوقائع تنزيلًا، وعلى حسب الحكمة ترتيبًا، فالمصحف كالصحف الكريمة على ما في وفق الكتاب المكنون، مرتبة سوره كلها وآياته بالتوقيف، وحافظ القرآن العظيم لو استفتي في أحكام متعددة، أو ناظر فيها، أو أملاها لذكر آية كل حكم على ما سئل، وإذا رجع إلى التلاوة لم يتل كما أفتى، ولا كما نزل مفرقًا؛ بل كما أنزل جملة إلى بيت العزة، ومن المعجز البين أسلوبه، ونظمه الباهر؛ فإنه ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١].
قال: والذي ينبغي في كل آية أن يبحث عن كونها مكملة لما قبلها، أو مستقلة، ثم المستقلة ما وجه مناسباتها لما قبلها؟ ففي ذلك علم جَمٌّ، وهكذا في السور يُطلب وجه اتصالها بما قبلها وما سيقت له.

١ مباحث في علوم القرآن، لمناع القطان "١٤١" وما بعدها.
٢ ترجمته في مقدمة المؤلف.
٣ البرهان في علوم القرآن "١/ ٢٦٠"، والجامع لأحكام القرآن "١/ ٦٠"، والإتقان "١/ ٦٠".


الصفحة التالية
Icon