وقال: فقد يكون إنما جعلها غرًا طوالًا، لإنعامهم على الناس فيها. قال: فهذا شاهد لمن قال: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٥] (١) بنعم الله، ثم قال: وقد يكون تسميتها غُرًّا لعلوهم على المَلِكِ وامتناعهم منه، فأيامهم غُرٌّ لهم، وطِوَالٌ على أعدائهم.
قال أبو جعفر: وليس للذي قال هذا القائل من أن في هذا البيت دليلًا على أن الأيام معناها النعم وجهٌ؛ لأن عمرو بن كلثوم إنما وصف ما وصف من الأيام بأنها غرٌّ لعز عشيرته فيها، وامتناعهم على الملك من الإذعان له بالطاعة، وذلك كقول بعض الناس: ما كان لفلان قط يوم أبيض، يعنون بذلك أنه لم يكن له يوم مذكور بخير، وأما وصفه إياها بالطول، فإنها لا توصف بالطول إلا في حال شدة، كما قال النابغة:
| كِلِينِي لِهَمٍّ يا أُميمةُ نَاصِبِ | ولَيلٍ أُقاسيهِ بِطيءِ الكَواكِبِ (٢) |
ومن الأمثلة ما ذكره ابن عطية كذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧)﴾ [البقرة: ١٤٧] (٤) حيث قال: «الخطابُ للنبيِّ، والمرادُ أمته. وامترى في الشَّيءِ إذا شكَّ فيه، ومنه المراء؛ لأنَّ هذا يشكُّ في قولِ هذا. وأنشدَ الطَّبريُّ (٥) شاهدًا على أنَّ الممترينَ شاكُّونَ قولَ الأعشى:
| تَدُرُّ عَلَى أسْؤُقِ المُمْتَرِيـ | ـنَ رَكْضًا إذا مَا السَّرَابُ ارْجَحَنْ (٦) |
_________
(١) إبراهيم ٥.
(٢) انظر: ديوانه ١٥.
(٣) تفسير الطبري (هجر) ١٣/ ٥٩٥ - ٥٩٦.
(٤) البقرة ١٤٧.
(٥) انظر: تفسير الطبري (شاكر) ٣/ ١٩١.
(٦) انظر: ديوانه ٧٣.