أَيْ: مِنَ الْحَرَمِ (١).
قَالَ مُقَاتِلٌ: كَانَتْ لَيْلَةُ الْإِسْرَاءِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِسَنَةٍ، وَيُقَالُ: كَانَ فِي رَجَبٍ. وَقِيلَ: كَانَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ (٢).
﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ يَعْنِي: بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَسُمِّيَ أَقْصَى لِأَنَّهُ أَبْعَدُ الْمَسَاجِدِ الَّتِي تُزَارُ. وَقِيلَ: لِبُعْدِهِ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ بِالْأَنْهَارِ وَالْأَشْجَارِ وَالثِّمَارِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: سَمَّاهُ مُبَارَكًا لِأَنَّهُ مَقَرُّ الْأَنْبِيَاءِ وَمَهْبِطُ الْمَلَائِكَةِ وَالْوَحْيِ، وَمِنْهُ يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ مِنْ عَجَائِبِ قُدْرَتِنَا، وَقَدْ رَأَى هُنَاكَ الْأَنْبِيَاءَ وَالْآيَاتِ الْكُبْرَى.
﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ذَكَرَ "السَّمِيعَ" لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّهُ الْمُجِيبُ لِدُعَائِهِ، وَذَكَرَ "الْبَصِيرَ" لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّهُ الْحَافِظُ لَهُ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ.
وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: مَا فُقِدَ جَسَدُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ أَسْرَى بِرُوحِهِ (٣).
وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ أُسْرِيَ بِجَسَدِهِ فِي الْيَقَظَةِ، وَتَوَاتَرَتِ الْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ عَلَى ذَلِكَ (٤).

(١) انظر زاد المسير: ٥ / ٤-٥، تفسير الطبري: ١٥ / ٢.
(٢) انظر الروايات في زمن الإسراء، في: الدر المنثور: ٥ / ٢٠٩-٢١١، إمتاع الأسماع للمقريزي: ١ / ٢٩، فتح الباري: ٧ / ٢٠٣، تفسير القرطبي: ١٠ / ٢١٠.
(٣) أخرجه ابن إسحاق في السيرة: ١ / ٣٩٩-٤٠٠، والطبري: ١٥ / ١٦ عن عائشة ومعاوية. وانظر: إمتاع الأسماع ١ / ٣٠، الروض الأنف للسهيلي: ١ / ٢٤٣-٢٤٤، تفسير ابن كثير: ٣ / ٢٤، الشفا بتعريف حقوق المصطفى: ١ / ٢٤٥-٢٤٦. وقد تعقب الطبري رحمه الله هذا الرأي ورده ردا شديدا فقال: (١٥ / ١٦-١٧) :"والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله أسرى بعبده محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، كما أخبر الله عباده، وكما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أن الله حمله على البراق حين أتاه به، وصلى هنالك بمن صلى من الأنبياء والرسل، فأراه ما أراه من الآيات. ولا معنى لقول من قال: أسري بروحه دون جسده، لأن ذلك لو كان كذلك لم يكن في ذلك ما يوجب أن يكون ذلك دليلا على نبوته، ولا حجة على رسالته، ولا كان الذين أنكروا حقيقة ذلك من أهل الشرك، وكانوا يدفعون به عن صدقه فيه، إذ لم يكن منكرا عندهم، ولا عند أحد من ذوي الفطرة الصحيحة من بني آدم أن يرى الرائي منهم في المنام ما على مسيرة سنة، فكيف ما هو على مسيرة شهر أو أقل! وبعد، فإن الله إنما أخبر في كتابه أنه أسرى بعبده، ولم يخبرنا أنه أسرى بروح عبده، وليس جائزا لأحد أن يتعدى ما قال الله إلى غيره... ". وانظر: الشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض: ١ / ٢٥٢-٢٥٦.
(٤) وجمع الحافظ ابن كثير رحمه الله روايات أحاديث الإسراء في أول تفسير السورة: ٣ / ٣-٢٤ وقال: "وإذا حصل الوقوف على مجموع هذه الأحاديث، صحيحها وحسنها وضعيفها، يحصل مضمون ما اتفقت عليه من مسرى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من مكة إلى بيت المقدس، وأنه مرة واحدة وإن اختلفت عبارات الرواة في أدائه، أو زاد بعضهم فيه أو نقص منه؛ فإن الخطأ جائز على من عدا الأنبياء عليهم السلام، ومن جعل من الناس -كل رواية خالفت الأخرى مرة على حدة، فأثبت إسراءات متعددة فقد أبعد وأغرب، وهرب إلى غير مهرب ولم يتحصل عل مطلب. وقد صرح بعضهم من المتأخرين بأنه عليه السلام أسري به مرة من مكة إلى بيت المقدس فقط، ومرة من مكة إلى السماء فقط، ومرة إلى بيت المقدس، ومنه إلى السماء، وفرح بهذا المسلك وأنه قد ظفر بشيء يخلص به من الإشكالات، وهذا بعيد جدا، ولم ينقل هذا عن أحد من السلف، ولو تعدد هذا التعدد لأخبر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ به أمته، ولنقله الناس على التعدد والتكرر".


الصفحة التالية
Icon