في المدينة وآخى بين الجماعتين ومزج بينهما مزجا كان نتاجه نشأة الدولة الإسلامية الصالحة والمؤهلة لتلقي ما بقي من قواعد الإسلام وأحكام التشريع.
ونزل القرآن على المسلمين في المدينة يبسط أحكام الدين، ويرسي قواعده ويبني المجتمع الإسلامي ويؤسس صرح الدولة.
وبلا ريب أن معرفة ما نزل بمكة في تلك الظروف ولتلك الأهداف والأغراض ومعرفة ما نزل في المدينة، كذلك يعطى منهجا سليما للدعوة الإسلامية ودروسا للدعاة في مختلف العصور والأمكنة.
عناية العلماء بالمكي والمدني:
فلا عجب إذًا أن يعتني العلماء بذلك وأن يولوه اهتمامهم، فهذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: "والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيم أنزلت، وأين أنزلت إن ربي وهب لي قلبا عقولا ولسانا سئولا"١.
وهذا ابن مسعود رضي الله عنه يقول: "والله الذي لا إله غيره ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا أنا أعلم أين أنزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا أنا أعلم فيم أنزلت ولو أعلم أحدا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه"٢.
وقد اهتم العلماء من بعدهم بمعرفة المكي والمدني وأفرده جماعة بالتأليف منهم -كما يقول السيوطي- مكي، والعز الدريني٣ وفي العصر الحديث صدرت دراسات كثيرة عن خصائص السور المكية، وخصائص السور المدنية.
كما اعتنى به العلماء في مؤلفاتهم فلا تكاد تجد كتابا يتناول علوم القرآن إلا وكان المكي والمدني أحد أبوابه وفصل القول فيه السيوطي وأشبع الكلام على أوجهه وأفرد بعضها بمباحث خاصة في كتابه الإتقان٤.

١ حلية الأولياء، لأبي نعيم ج١ ص٦٧، ٦٨.
٢ صحيح البخاري ج٦ ص١٠٢، وصحيح مسلم ج٤ ص١٩١٣.
٣ الإتقان: السيوطي، ج١ ص٨.
٤ المرجع السابق.


الصفحة التالية
Icon