قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقْنَٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾؛ أي جئتمونا بلا مَالٍ ولا وَلَدٍ كما خلقناكُم في الابتداءِ، والمعنى: أنهُ يقال لَهم: ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَىٰ ﴾.
وفي الخبرِ:" أنَّهُمْ يُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً، قالت عائشةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: (وَاسَوْأَتَاهُ! الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ كَذلِكَ) فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: " لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ، لاَ يَنْظُرُ الرِّجَالُ إلَى النِّسَاءِ، وَلاَ النِّسَاءُ إلَى الرِّجَالِ، شُغِلَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ ". قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَٰكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ ﴾؛ أي وخلَّفتُم ما أعطيناكم من الأموال لغيركم أي خَلَّفَ عليها غيرَكم في دار الدُّنيا، ولم تقدِّموها لأنفسكم.
﴿ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ ﴾، آلِهَتَكَم.
﴿ ٱلَّذِينَ ﴾، التي.
﴿ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَآءُ ﴾، يشفعون لكم ويقرِّبونكم إلَيَّ.
﴿ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ﴾؛ أي وَصْلُكُمْ. ومن قرأ (بَيْنَكُمْ) بالنصب فمعناه: تقطعَ ما بينَكم؛ أي ما كنتم فيه من الشِّركة.
﴿ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾؛ أنَِّها شفعاؤُكم عندَ الله حين لم يقدرُوا عن دفعِ شيء من العذاب عنكُم. وقال الحسنُ: (مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَىٰ ﴾ أيْ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى حِدَةٍ). وقال ابنُ كيسان: (مُفْرَدِيْنَ مِنَ الْمَعْبُودِيْنَ). وقيل: (فُرَادَى) أي وحْداناً لا مالَ لكم ولا زوجَ ولا ولدَ ولا خدم. فُرَادَى: جمعَ فَرْدٍ، مثلُ سَكْرَانٍ وَسُكَارَى، كَسْلاَنٍ وكُسَالَى. ويقال أيضاً: فُرَادَى بجزمِ الرَّاء وكسرها وفتحها، وجمعه أفْرَادٌ. وقرأ الأعرجُ: (فُرْدَى) بغيرِ ألِفٍ مثل سُكْرَى. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ كَمَا خَلَقْنَٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ أي حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً.
﴿ وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَٰكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ ﴾ أي ما أعطيناكم وملَّكناكم من الأموال والأولاد والخدَم وراءَ ظهوركم في الدنيا. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ﴾ قرأ أهلُ الحجاز والحسن ومجاهد والكسائيُّ وحفص بالنصب؛ وهي قراءة أبي موسَى الأشعري، وقرأ الباقون بالرفع.