﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ * اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ يحتمل أن الإشارة إلى النار والعذاب، كما يدل عليه سياق الآية أي: لما رأوا النار والعذاب قيل لهم من باب التقريع: " أهذا سحر لا حقيقة له، فقد رأيتموه، أم أنتم في الدنيا لا تبصرون " أي: لا بصيرة لكم ولا علم عندكم، بل كنتم جاهلين بهذا الأمر، لم تقم عليكم الحجة؟ والجواب انتفاء الأمرين:
أما كونه سحرا، فقد ظهر لهم أنه أحق الحق، وأصدق الصدق، المخالف (١) للسحر من جميع الوجوه، وأما كونهم لا يبصرون، فإن الأمر بخلاف ذلك، بل حجة الله قد قامت عليهم، ودعتهم الرسل إلى الإيمان بذلك، وأقامت من الأدلة والبراهين على ذلك، ما يجعله من أعظم الأمور المبرهنة الواضحة الجلية.
ويحتمل أن الإشارة [بقوله: ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ] إلى ما جاء به الرسول ﷺ من الحق المبين، والصراط المستقيم أي: هذا الذي جاء به محمد ﷺ سحر أم عدم بصيرة بكم، حتى اشتبه عليكم الأمر، وحقيقة الأمر أنه أوضح من كل شيء وأحق الحق، وأن حجة الله قامت عليهم (٢).
﴿اصْلَوْهَا﴾ أي: ادخلوا النار على وجه تحيط بكم، وتستوعب جميع أبدانكم (٣) وتطلع على أفئدتكم.
﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ﴾ أي: لا يفيدكم الصبر على النار شيئا، ولا يتأسى بعضكم ببعض، ولا يخفف عنكم العذاب، وليست (٤) من الأمور التي إذا صبر العبد عليها هانت مشقتها وزالت شدتها.
وإنما فعل بهم ذلك، بسبب أعمالهم الخبيثة وكسبهم، [ولهذا قال] ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

(١) في ب: المنافي.
(٢) بعد قوله والصراط المستقيم جاءت العبارة في ب مختلفة عما في أ، وهذا نص ما في: ب: أي: (أفيتصور من له عقل أن يقول عنه: إنه سحر، وهو أعظم الحق وأجله، ولكن لعدم بصيرتهم قالوا فيه ما قالوا).
(٣) في ب: (وتشمل أبدانكم).
(٤) كذا في ب، وفي أ: وليس.

﴿١٧-٢٠﴾ ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ * فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾.
لما ذكر تعالى عقوبة المكذبين، ذكر نعيم المتقين، ليجمع بين الترغيب والترهيب، فتكون القلوب بين الخوف والرجاء، فقال: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ﴾ لربهم، الذين اتقوا سخطه وعذابه، بفعل أسبابه من امتثال الأوامر واجتناب النواهي.
﴿فِي جَنَّاتِ﴾ أي: بساتين، قد اكتست رياضها من الأشجار الملتفة، والأنهار المتدفقة، والقصور المحدقة، والمنازل المزخرفة، ﴿وَنَعِيمٍ﴾ [وهذا] شامل لنعيم القلب والروح والبدن،
﴿فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ أي: معجبين به، متمتعين على وجه الفرح والسرور بما أعطاهم الله من النعيم الذي لا يمكن وصفه، ولا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين، ووقاهم عذاب الجحيم، فرزقهم المحبوب، -[٨١٥]- ونجاهم من المرهوب، لما فعلوا ما أحبه الله، وجانبوا ما يسخطه ويأباه.
﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ أي: مما تشتهيه أنفسكم، من [أصناف] المآكل والمشارب اللذيذة، ﴿هَنِيئًا﴾ أي: متهنئين بتلك المآكل والمشارب (١) على وجه الفرح والسرور والبهجة والحبور. ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: نلتم ما نلتم بسبب أعمالكم الحسنة، وأقوالكم المستحسنة.
﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ﴾ الاتكاء: هو الجلوس على وجه التمكن والراحة والاستقرار، والسرر: هي الأرائك المزينة بأنواع الزينة من اللباس الفاخر والفرش الزاهية.
ووصف الله السرر بأنها مصفوفة، ليدل ذلك على كثرتها، وحسن تنظيمها، واجتماع أهلها وسرورهم، بحسن معاشرتهم، ولطف كلام بعضهم لبعض (٢) فلما اجتمع لهم من نعيم القلب والروح والبدن ما لا يخطر بالبال، ولا يدور في الخيال، من المآكل والمشارب [اللذيذة]، والمجالس الحسنة الأنيقة، لم يبق إلا التمتع بالنساء اللاتي لا يتم سرور بدونهن (٣) فذكر الله أن لهم من الأزواج أكمل النساء أوصافا وخلقا وأخلاقا، ولهذا قال: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ وهن النساء اللواتي قد جمعن من جمال الصورة الظاهرة وبهاءها، ومن الأخلاق الفاضلة، ما يوجب أن يحيرن بحسنهن الناظرين، ويسلبن عقول العالمين، وتكاد الأفئدة أن تطيش (٤) شوقا إليهن، ورغبة في وصالهن، والعين: حسان الأعين مليحاتها، التي صفا بياضها وسوادها.
(١) في ب: متهنئين بذلك على وجه.
(٢) في ب: وملاطفة بعضهم بعضا.
(٣) في ب: إلا بهن.
(٤) في ب: تطير.


الصفحة التالية
Icon