كَمَا قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ، وَأَمَّا أَنْعُمُ، فَلَيْسَ جَمْعَ نِعْمَةٍ، وَإِنَّمَا هُوَ جَمْعُ نِعْمَ مِنْ قَوْلِهِمْ بِئْسَ وَنِعْمَ، قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ، وَقَالَ أَيْضًا: وَأَصْلُ الْأَشُدِّ مِنْ شَدِّ النَّهَارِ إِذَا ارْتَفَعَ، يُقَالُ: أَتَيْتُهُ شَدَّ النَّهَارِ، وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الضَّبِّيُّ يُنْشِدُ بَيْتَ عَنْتَرَةَ: [الْكَامِلُ]
عَهْدِي بِهِ شَدُّ النَّهَارِ كَأَنَّمَا | خَضَبَ اللَّبَانَ وَرَأْسَهُ بِالْعَظْلَمِ |
وَقَالَ الْآخَرُ: [الطَّوِيلُ]
تُطِيفُ بِهِ شَدَّ النَّهَارِ ظَعِينَةٌ | طَوِيلَةُ أَنْقَاءُ الْيَدَيْنِ سَحُوقُ |
قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: وَمِنْهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ: [الْبَسِيطُ]
شَدَّ النَّهَارِ ذِرَاعَا عَيْطَلٍ نَصَفٍ | قَامَتْ فَجَاوَبَهَا نُكْدٌ مَثَاكِيلُ |
فَقَوْلُهُ:
«شَدَّ النَّهَارِ» يَعْنِي وَقْتَ ارْتِفَاعِهِ، وَهُوَ بَدَلٌ مِنَ الْيَوْمِ، فِي قَوْلِهِ قَبْلَهُ:
يَوْمًا يَظَلُّ بِهِ الْحَرْبَاءَ مُصْطَخِدًا | كَأَنَّ ضَاحِيَهُ بِالشَّمْسِ مَحْلُولُ |
فَشَدُّ النَّهَارِ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ يَوْمًا، بَدَلَ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ، كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ:
«يَوْمًا» بَدَلٌ مِنْ إِذَا فِي قَوْلِهِ قَبْلَ ذَلِكَ: [الْبَسِيطُ]
كَأَنَّ أَوْبَ ذِرَاعَيْهَا إِذَا عَرِقَتْ | وَقَدْ تَلَفَّعَ بِالْقُورِ الْعَسَاقِيلُ |
لِأَنَّ الزَّمَنَ الْمُعَبَّرَ عَنْهُ
«بِإِذَا» هُوَ بِعَيْنِهِ الْيَوْمُ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ:
«يَوْمًا يَظَلُّ» الْبَيْتَ، وَنَظِيرُهُ فِي الْقُرْآنِ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى [٧٩ ٣٤، ٣٥]، وَقَوْلُهُ: فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ الْآيَةَ [٨٠ ٣٣، ٣٤]، وَإِعْرَابُ أَبْيَاتِ كَعْبٍ هَذِهِ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ تَدَاخُلِ الْبَدَلِ، وَقَوْلُهُ:
«ذِرَاعًا عَيْطَلٍ» خَبَرُ كَأَنَّ فِي قَوْلِهِ:
«كَأَنَّ أَوْبَ ذِرَاعَيْهَا» الْبَيْتَ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْأَشُدُّ ثَلَاثُونَ سَنَةً، وَقِيلَ: أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَقِيلَ: سِتُّونَ سَنَةً، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ الْأَقْوَالَ بَعِيدَةٌ عَنِ الْمُرَادِ بِالْآيَةِ كَمَا بَيَّنَّا، وَإِنْ جَازَتْ لُغَةً، كَمَا قَالَ سُحَيْمُ بْنُ وَثِيلٍ: [الْوَافِرُ]
أَخُو خَمْسِينَ مُجْتَمِعٌ أَشُدِّي | وَنَجَّذَنِي مُدَاوَرَةُ الشُّئُونِ |
الصفحة التالية