وَعَمُونَ جَمْعُ عَمٍ، وَهُوَ الْوَصْفُ مِنْ عَمِيَ يَعْمَى فَهُوَ أَعْمَى وَعَمٌ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ [٧ ٦٤] وَقَوْلُ زُهَيْرٍ فِي مُعَلَّقَتِهِ:
وَأَعْلَمُ عِلْمَ الْيَوْمِ وَالْأَمْسِ قَبْلَهُ | وَلَكِنَّنِي عَنْ عِلْمِ مَا فِي غَدٍ عَمِ |
وَقَدْ قَصَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِي سُورَةِ «مَرْيَمَ» وَسُورَةِ «النِّسَاءِ» وَغَيْرِهِمَا، حَقِيقَةَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَهِيَ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ [١٩ ٣٠] وَرَسُولُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ [٤ ١٧١] وَلَمَّا بَيَّنَ لَهُمْ حَقِيقَةَ أَمْرِهِ مُفَصَّلَةً فِي سُورَةِ «مَرْيَمَ» قَالَ: ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ [١٩ ٣٤] وَذَلِكَ يُبَيِّنُ بَعْضَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى هُنَا: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤمِنِينَ. قَدْ قَدَّمْنَا الْآيَاتِ الْمُوَضِّحَةَ لَهُ فِي أَوَّلِ سُورَةِ «الْكَهْفِ» فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ الْآيَةَ [١٨ ١].
قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ. اعْلَمْ أَنَّ التَّحْقِيقَ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الْقَرَائِنُ الْقُرْآنِيَّةُ وَاسْتِقْرَاءُ الْقُرْآنِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى، لَا يَصِحُّ فِيهِ مِنْ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ، إِلَّا تَفْسِيرَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمَعْنَى: إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى، أَيْ: لَا تُسْمِعُ الْكُفَّارَ الَّذِينَ أَمَاتَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ، وَكَتَبَ عَلَيْهِمُ الشَّقَاءَ فِي سَابِقِ عِلْمِهِ إِسْمَاعَ هُدًى وَانْتِفَاعٍ ; لِأَنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْهِمُ الشَّقَاءَ، فَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَعَلَى سَمْعِهِمْ، وَجَعَلَ عَلَى قُلُوبِهِمُ الْأَكِنَّةَ، وَفِي آذَانِهِمُ الْوَقْرَ،