وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا [٧٨ ٩] وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي «الْكَشَّافِ» : وَالسُّبَاتُ: الْمَوْتُ، وَالْمَسْبُوتُ: الْمَيِّتُ ; لِأَنَّهُ مَقْطُوعُ الْحَيَاةِ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ.
فَإِنْ قُلْتَ: هَلَّا فَسَّرْتَهُ بِالرَّاحَةِ؟.
قُلْتُ: النُّشُورُ فِي مُقَابَلَتِهِ يَأْبَاهُ إِبَاءَ الْعَيُوفِ الْوَرْدَ، وَهُوَ مُرَنَّقٌ، اه مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْهُ.
وَإِيضَاحُ كَلَامِهِ: أَنَّ النُّشُورَ هُوَ الْحَيَاةُ بَعْدَ الْمَوْتِ، كَمَا تَقَدَّمَ إِيضَاحُهُ. وَعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ: وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا، أَيْ: حَيَاةً بَعْدَ الْمَوْتِ، وَعَلَيْهِ فَالْمَوْتُ هُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالسُّبَاتِ فِي قَوْلِهِ: وَالنَّوْمَ سُبَاتًا، وَإِطْلَاقُ الْمَوْتِ عَلَى النَّوْمِ مَعْرُوفٌ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ [٦ ٦٠] وَقَوْلِهِ: ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ ; لِأَنَّ كُلًّا مِنَ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ يُطْلَقُ عَلَى الْحَيَاةِ بَعْدَ الْمَوْتِ ; وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [٣٩ ٤٢] وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ فِي «صِحَاحِهِ» : وَالْمَسْبُوتُ الْمَيِّتُ وَالْمَغْشِيُّ عَلَيْهِ، اه.
وَالَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ السُّبَاتَ فِي الْآيَةِ الرَّاحَةُ بِسَبَبِ النَّوْمِ مِنْ تَعَبِ الْعَمَلِ بِالنَّهَارِ، قَالُوا: إِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا، أَنَّهُمْ يَنْشُرُونَ فِيهِ لِمَعَايِشِهِمْ، وَمَكَاسِبِهِمْ، وَأَسْبَابِهِمْ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا التَّفْسِيرَ فِيهِ حَذْفُ مُضَافٍ، أَوْ هُوَ مِنَ النَّعْتِ بِالْمَصْدَرِ، وَهَذَا التَّفْسِيرُ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا [٧٨ ١١] وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي «الْقَصَصِ» : وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ [٢٨ ٧٣] أَيْ: لِتَسْكُنُوا فِي اللَّيْلِ، وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ بِالنَّهَارِ فِي السَّعْيِ لِلْمَعَاشِ.
وَإِذَا عَلِمْتَ هَذَا، فَاعْلَمْ أَنَّ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ جَاءَ مُوَضَّحًا فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا [٢٨ ٩ - ١١] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [٢٨ ٧١ - ٧٣].


الصفحة التالية
Icon