فلما جاء إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وأخبره خبر هذه البعوث الثلاثة في ليلة واحدة، صلى الصبح في ذلك اليوم، وقال في الركعة الثانية: اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سنين كسني يوسف، اللهم العن رعلان وذكوان وبني لحيان، اللهم غفار، غفر الله لها وسالم سالمها الله، وعصية عصت الله ورسوله.
فجاء أناس من بني كلاب يلتمسون من رسول الله صلّى الله عليه وسلم دية الكلابيين، وكان رسول الله صلّى الله عليه وسلم حين قدم المدينة، صالح بني النضير على أن لا يكونوا معه ولا عليه فاستعان النبيّ صلّى الله عليه وسلم في عقل الكلابيين قبائل الأنصار فلما بلغ العالية استعان من بني النضير فقال:
أعينوني في عقل أصابني، فقال: هؤلاء حلفائي. فخرج رسول الله صلّى الله عليه وسلم، ومعه أبو بكر، وعمر، وعلي- رضي الله عنهم- إلى بني النضير، فقال حيي بن أخطب: اجلس يا أبا القاسم حتى نطعمك ونعطيك ما سألتنا. فجلس النبيّ صلّى الله عليه وسلم في صفه، ومعه أبو بكر، وعمر، وعلي- رضي الله عنهم- فقال حيي بن أخطب لأصحابه: إنما هو في ثلاثة نفر لا ترونه أقرب من الآن، فاقتلوه لا تروا شراً أبداً.
فنزل جبريل- عليه السلام- وأخبره، فقام النبيّ صلّى الله عليه وسلم كأنه يريد حاجة، حتى دخل المدينة فجاء إنسان، فسألوه عنه فقال: رأيت النبيّ صلّى الله عليه وسلم دخل أول البيوت. فقاموا من هناك، فقال حيي بن أخطب: عجل أبو القاسم عليه، فقد أردنا أن نطعمه ونعطيه الذي سأله. فلما رجع النبي صلّى الله عليه وسلم إلى المدينة، جمع الناس وجاء بالجيش، واختلفوا في قتل كَعْب بن الأشرف، فقال بعضهم لبعض: قد كان قتل قبل ذلك، وقال بعضهم: قتل في هذا الوقت. فبعث محمد بن سلمة، فخرج محمد بن سلمة، وأبو نائلة، ورجلان آخران، فأتوه بالليل، وقالوا: أتيناك نستقرض منك شيئاً من التمر. فخرج إليهم فقتلوه، ورجعوا إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلم، فخرج إليهم.
النبيّ صلّى الله عليه وسلم مع الجيش إلى بني النضير، فقال لهم: اخرجوا منها. فإذا جاء وقت الجذاذ، فجذوا ثماركم. فقالوا: لا نفعل.
فحاصرهم النبي صلّى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم، نحن نعطيك الذي سألتنا. قال: «لاَ ولكن اخْرُجُوا مِنْهَا، وَلَكُمْ مَا حَمَلَتِ الإِبِلُ إلاّ الحَلَقَةُ»، يعني: السلاح، قالوا: لا. فحاصرهم رسول الله صلّى الله عليه وسلم خمس عشرة ليلة، وأمر بقطع نخيلهم، ونقب بيوتهم. فلما رأت اليهود ما يصنعون بهم، فكلما نقب المسلمون بيت فروا إلى بيت، آخر ينتظرون المنافقين. وقد قال المنافقون لهم: لئن أخرجتم لنخرجن معكم، وإن قوتلتم لننصرنكم. فلما رأوا أنه لا يأتيهم أحد من المنافقين ولحقهم من الشر ما لحقهم، قال بعضهم لبعض: ليس لنا مقام بعد النخيل، فنحن نعطيك يا أبا القاسم على أن تعتق رقابنا إلا الحلقة ونخرج، فأجلاهم رسول الله صلّى الله عليه وسلم من المدينة، ولهم ما حملت الإبل إلا الحلقة.


الصفحة التالية
Icon