وهذا ما أشارت إليه بعض آيات القرآن أيضا مثل آية سورة الصف هذه وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ... [٦]، وآية سورة النساء هذه وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ... [١٥٧] ومنهم من كان يرفع مريم إلى درجة الألوهية مما أشارت إليه آيات سورة المائدة هذه وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) «١» فأنزل الله الآيات بمناسبة مجلس جدل أو استفسار في شأن المسيح لتضع الأمور في نصابها. فولادة عيسى عليه السلام تمّت بمعجزة وقد سبقت بمعجزة ربانية مقاربة وهي ولادة يحيى عليه السلام من أب هرم وأم عاقر. واليهود والنصارى يعرفون ذلك فلا يقتضي هذا أن يكون عيسى إلها أو جزءا من الإله أو ابنا لله دون يحيى، ولا أن ترمى مريم بالبهتان ولا أن ترفع إلى درجة اللاهوتية. وعيسى والحالة هذه عبد من عباد الله الصالحين ونبي من أنبيائه أرسله الله ليدعو إليه وحده ويحثّ على مكارم الأخلاق ويحذر من سيئاتها. وله من أجل ذلك حقّ التكريم ولأمّه حقّ التنزيه في نطاق عبوديتهما لله.
وبهذا تهيىء الآيات الطريق أمام غلاة النصارى للرجوع عن غلوّهم وتفتح الباب لهم وللذين تتقارب عقيدتهم إلى هذه التقريرات ليدخلوا منه إلى الإسلام ويتخلصوا مما هم فيه من شكوك وخلاف ونزاع. وتسدّ على كفار العرب طريق