الْمَوْتُ، وَاسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ وَلَا مُوجِبَ لِلْمَصِيرِ إِلَى هَذَا التَّفْسِيرِ، لِأَنَّ الْمَصْعُوقَ قَدْ يَمُوتُ كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَقَدْ يُغْشَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُفِيقُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ «١» ومما يوجب بعد ذَلِكَ قَوْلُهُ: وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتِ الصَّاعِقَةُ عِبَارَةً عَنِ الْمَوْتِ لَمْ يَكُنْ لِهَذِهِ الْجُمْلَةِ كَبِيرُ مَعْنًى، بَلْ قَدْ يُقَالُ: إِنَّهُ لا يصح أن ينظروا الْمَوْتَ النَّازِلَ بِهِمْ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ نَظَرَ الْأَسْبَابِ الْمُؤَثِّرَةِ لِلْمَوْتِ. وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ثُمَّ بَعَثْناكُمْ الْإِحْيَاءُ لَهُمْ لِوُقُوعِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَأَصْلُ الْبَعْثِ: الْإِثَارَةُ لِلشَّيْءِ مِنْ مَحَلِّهِ، يُقَالُ: بَعَثْتُ النَّاقَةَ: أَيْ أَثَرْتُهَا، وَمِنْهُ قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ:
| وفتيان صِدْقٍ قَدْ بَعَثْتُ بِسُحْرَةٍ | فَقَامُوا جَمِيعًا بَيْنَ عاث وَنَشْوَانِ «٢» |
| وَصَحَابَةٍ شُمِّ الْأُنُوفِ بَعَثْتُهُمْ | لَيْلًا وَقَدْ مَالَ الْكَرَى بِطِلَاهَا |
هُوَ بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَإِسْكَانِ النُّونِ، وَيُقَالُ: الطَّرَّنْجَبِينُ بِالطَّاءِ، وَعَلَى هَذَا أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ، وَهُوَ طَلٌّ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى شَجَرٍ أَوْ حَجَرٍ، وَيَحْلُو وَيَنْعَقِدُ عَسَلًا، وَيَجِفُّ جَفَافَ الصَّمْغِ، ذُكِرَ مَعْنَاهُ فِي الْقَامُوسِ وَقِيلَ:
إِنَّ الْمَنَّ الْعَسَلُ وَقِيلَ: شَرَابٌ حُلْوٌ وَقِيلَ: خُبْزُ الرُّقَاقِ وَقِيلَ: إِنَّهُ مَصْدَرٌ يَعُمُّ جَمِيعَ مَا مَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَى عِبَادِهِ مِنْ غَيْرِ تَعَبٍ وَلَا زَرْعٍ وَمِنْهُ مَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وَسَلَّمَ: «أَنَّ الْكَمْأَةَ مِنَ الْمَنِّ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى». وَقَدْ ثَبَتَ مِثْلُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالتِّرْمِذِيِّ، وَمِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَأَبِي سَعِيدٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ. وَالسَّلْوَى: قِيلَ هُوَ السُّمَانَى، كَحُبَارَى طَائِرٌ يَذْبَحُونَهُ فَيَأْكُلُونَهُ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: السَّلْوَى طَيْرٌ بِإِجْمَاعِ الْمُفَسِّرِينَ، وَقَدْ غَلِطَ الْهُذَلِيُّ فَقَالَ:
| وَقَاسَمَهُمَا بِاللَّهِ جَهْدًا لَأَنْتُمَا | أَلَذُّ مِنَ السَّلْوَى إِذَا مَا نشورها |
(٢). بسحرة: السّحرة: وقت السّحر. العاثي: المتناول للشيء وكثر في استعمال العرب في الفساد.