صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر. فكيف يظن بها، مع ذلك، أن تصلي بخلاف صلاة النبيّ ﷺ والمسلمين معه؟.
ثم قال ابن القيم: قلت: وقد أتمت عائشة بعد موت النبيّ صلى الله عليه وسلم. قال ابن عباس وغيره: إنها تأولت كما تأول عثمان. وإن النبيّ ﷺ كان يقصر دائما. فركب بعض الرواة من الحديثين حديثا وقال: فكان رسول الله ﷺ يقصر وتتم هي. فغلط بعض الرواة فقال: كان يقصر ويتم. أي: هو. والتأويل الذي تأولته قد اختلف فيه. فقيل:
ظنت أن القصر مشروط بالخوف والسفر. فإذا زال سبب الخوف زال سبب القصر.
وهذا التأويل غير صحيح. فإن النبيّ ﷺ سافر آمنا. وكان يقصر الصلاة. والآية قد أشكلت على عمر رضي الله عنه وغيره. فسأل عنها رسول الله ﷺ فأجابه بالشفاء.
وأن هذا صدقة من الله وشرع شرعه للأمة. وكان هذا بيان أن حكم المفهوم غير مراد.
وأن الجناح مرتفع في قصر الصلاة عن الآمن والخائف. وغايته أنه نوع تخصيص للمفهوم، أو رفع له. وقد يقال: إن الآية اقتضت قصرا يتناول الأركان بالتخفيف.
وقصر العدد بنقصان ركعتين. وقيد ذلك بأمرين: الضرب في الأرض والخوف. فإذا وجد الأمران، أبيح القصر. فيصلون صلاة تامة كاملة. وإن وجد أحد السببين ترتب عليه قصره وحده. فإذا وجد الخوف والإقامة قصرت الأركان واستوفي العدد. وهذا نوع قصر وليس بالقصر المطلق في الآية. فإن وجد السفر والأمن قصر العدد واستوفى الأركان، وسميت صلاة أمن. وهذا نوع قصر وليس بالقصر المطلق. وقد تسمى هذه الصلاة مقصورة، باعتبار نقصان العدد. وقد تسمى تامة، باعتبار إتمام أركانها، وأنها لم تدخل في قصر الآية. والأول اصطلاح كثير من الفقهاء المتأخرين. والثاني يدل عليه كلام الصحابة. كعائشة وابن عباس وغيرهما.
قالت عائشة: فرضت الصلاة ركعتين. فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة زيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر
. فهذا يدل على أن صلاة السفر عندها غير مقصورة من أربع. وإنما هي مفروضة كذلك. وأن فرض المسافر ركعتان. وقال ابن عباس: فرض الله الصلاة على لسان نبيّكم في الحضر أربعا. وفي السفر ركعتين. وفي الخوف ركعة. متفق على حديث عائشة. وانفرد مسلم «١» بحديث ابن عباس.
وقال عمر بن الخطاب «٢» : صلاة السفر ركعتان. والجمعة ركعتان. والعيد

(١) أخرجه مسلم في: صلاة المسافرين وقصرها، حديث ٥.
(٢) أخرجه ابن ماجة في: إقامة الصلاة والسنة فيها، ٧٣- باب تقصير الصلاة في السفر، حديث ١٠٦٤.


الصفحة التالية
Icon