وَلَوْ أَتَى بِكُلِّ تَكَلُّفٍ وَحِيلَةٍ لَعَجِزَ عَنْهُ وَلَوْ كَانَ حُصُولُ الْعَدَاوَةِ وَالصَّدَاقَةِ فِي الْقَلْبِ بِاخْتِيَارِ الْإِنْسَانِ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ مُتَمَكِّنًا مِنْ قَلْبِ الْعَدَاوَةِ بِالصَّدَاقَةِ وَبِالضِّدِّ وَكَيْفَ لَا نَقُولُ ذَلِكَ وَالشُّعَرَاءُ عَرَفُوا أَنَّ ذَلِكَ خَارِجٌ عَنِ الْوُسْعِ؟ قَالَ الْمُتَنَبِّي
| يُرَادُ مِنَ الْقَلْبِ نِسْيَانُكُمْ | وَتَأْبَى الطِّبَاعُ عَلَى النَّاقِلِ |
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ النَّصْبُ فِي قَوْلِهِ شَياطِينَ فِيهِ وَجْهَانِ الْأَوَّلُ أَنَّهُ مَنْصُوبٌ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ قَوْلِهِ عَدُوًّا وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ عَدُوًّا مَنْصُوبًا عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ وَالتَّقْدِيرُ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ أَعْدَاءَ الْأَنْبِيَاءِ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ عَلَى قَوْلَيْنِ الْأَوَّلُ أَنَّ الْمَعْنَى مَرَدَةُ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالشَّيْطَانُ كُلُّ عَاتٍ مُتَمَرِّدٍ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ عَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَهَؤُلَاءِ قَالُوا إِنَّ مِنَ الْجِنِّ شَيَاطِينَ وَمِنَ الْإِنْسِ شَيَاطِينَ وَإِنَّ الشَّيْطَانَ مِنَ الْجِنِّ إِذَا أَعْيَاهُ الْمُؤْمِنُ ذَهَبَ إِلَى مُتَمَرِّدٍ مِنَ الْإِنْسِ وَهُوَ شَيْطَانُ الْإِنْسِ فَأَغْرَاهُ بِالْمُؤْمِنِ لِيَفْتِنَهُ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا
رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لِأَبِي ذَرٍّ: «هَلْ تَعَوَّذْتَ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ شَيَاطِينِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ؟» قَالَ قُلْتُ وَهَلْ لِلْإِنْسِ مِنْ شَيَاطِينَ؟ قَالَ «نَعَمْ هُمْ شَرٌّ مِنْ شَيَاطِينِ الْجِنِّ».
وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّ الْجَمِيعَ مِنْ وَلَدِ إِبْلِيسَ إِلَّا أَنَّهُ جَعَلَ وَلَدَهُ قِسْمَيْنِ فَأَرْسَلَ أَحَدَ الْقِسْمَيْنِ إِلَى وَسْوَسَةِ الْإِنْسِ. وَالْقِسْمَ الثَّانِي إِلَى وَسْوَسَةِ الْجِنِّ فَالْفَرِيقَانِ شَيَاطِينُ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَوْلَى لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْآيَةِ الشِّكَايَةُ مِنْ سَفَاهَةِ الْكُفَّارِ الَّذِينَ هُمُ الْأَعْدَاءُ وَهُمُ الشَّيَاطِينُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ الْقَوْلُ الثَّانِي أَوْلَى لِأَنَّ لَفْظَ الْآيَةِ يَقْتَضِي إِضَافَةَ الشَّيَاطِينِ إِلَى الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالْإِضَافَةُ تَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ فَالشَّيَاطِينُ نَوْعٌ مُغَايِرٌ لِلْجِنِّ وَهُمْ أَوْلَادُ إِبْلِيسَ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ قَالَ الزَّجَّاجُ وَابْنُ الْأَنْبَارِيِّ قَوْلُهُ عَدُوًّا بِمَعْنَى أَعْدَاءً وَأَنْشَدَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ
| إِذَا أَنَا لَمْ أَنْفَعْ صَدِيقِي بِوِدِّهِ | فَإِنَّ عَدُوِّي لَنْ يَضُرُّهُمُو بُغْضِي |
أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً فَالْمُرَادُ أَنَّ أُولَئِكَ الشَّيَاطِينَ يُوَسْوِسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا.