مشاهد في كثير من الأوقات: فهذا القسم ليس عند الخلق اهتداء إلى أسباب هذه الحوادث، ولا جعل لهم في الأصل وصول إلى حقيقتها وكنهها، وإنما هي حوادث قدرها الرب العظيم الذي هو على كل شيء قدير بأسباب وحكم وسنن لا يعقلها الخلق، ولا لحواسهم وتجاربهم وصول إليها بوجه من الوجوه، وبها آمن الرسل من أولهم إلى آخرهم، وأتباعهم الأولون منهم والآخرون، وبها يعرف عظمة الباري، وأن نواصي العباد بيده، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ويعرف بذلك صحة ما جاءت به الرسل، كما يعرف أيضا بالقسم الأول، وكما أنه لا سبيل إلى العباد في هذه الدار إلى إدراك كنه صفات اليوم الآخر، وكنه ما في الجنة والنار، وإنما يعلمون منها ما علمتهم به الرسل، ونزلت به الكتب، ولا سبيل إلى أهل هذا الكون الأرضي للوصول إلى العالم السماوي، ولا سبيل لهم إلى إحياء الموتى وإيجاد الأرواح في الجمادات، فكذلك هذا النوع العظيم من حوادث الكون، وإنما أطلنا الكلام على هذه المسألة، وإن كانت تستحق من البسط أكثر من هذا؛ لأمرين:
* الأول: أن الزنادقة المتأخرين الذين أنكروا وجود الباري، وأنكروا جميع ما أخبرت به الرسل والكتب السماوية من أمور الغيب، ولم يثبتوا من العلوم إلا ما وصلت إليه حواسهم وتجاربهم القاصرة على بعض علوم الكون، وأنكروا ما سوى ذلك، وزعموا أن هذا العالم وهذا النظام الموجود فيه لا يمكن أن يغيره مغير، أو يغير شيئا من أسبابه، وأنه وجد صدفة من غير إيجاد موجد، وأنه آلة تمشي بنفسها وطبيعتها، ليس لها مدبر ولا رب ولا خالق، وهؤلاء جميع أهل الأديان يعرفون مكابرتهم ومباهتتهم؛ لأنهم كما عدموا الدين بالكلية فقد اختلت عقولهم الحقيقة، إذ أنكروا أجلى الحقائق


الصفحة التالية
Icon