قوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ [الإسراء: ٧٩] أي: صل به في أوقاته ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] أي: لتكون صلاة الليل زيادة لك في علو المقامات ورفع الدرجات، بخلاف غيرك فإنها تكون كفارة لسيئاته.
ويحتمل أن يكون المعنى أن الصلوات الخمس فرض عليك وعلى المؤمنين، وأما صلاة الليل فإنها فرض عليك وحدك دون المؤمنين لكرامتك على الله، إذ جعل وظيفتك أكثر من غيرك، ومن عليك بالقيام بها؛ ليكثر ثوابك، ويرتفع مقامك، وتنال بذلك المقام المحمود، وهو المقام الذي يحمده فيه الأولون والآخرون؛ مقام الشفاعة العظمى حين يستشفع الخلائق بأكابر الأنبياء، آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى - عليهم السلام -، وكلهم يعتذر ويتأخر عنها حتى يستشفعوا بسيد ولد آدم؛ ليرحمهم الله من هم الموقف وكربه، ويفصل بينهم، فيشفعه الله، ويقيمه مقاما يغبطه به الأولون والآخرون، وتكون له اليد البيضاء على جميع الخلق، ﷺ تسليما كثيرا، وأدخلنا في شفاعته، ومن علينا بالسعي في أسباب شفاعته التي أهمها إخلاص الأعمال لله، وتحقيق متابعته في هديه وقوله وعمله.
﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٤٨] لما أمر الله تعالى رسوله خصوصا والمؤمنين عموما باستقبال بيته الحرام، أخبر أن كل أهل دين لهم وجهة يتوجهون إليها في عباداتهم، وليس الشأن في القبل والوجهات المعينة، فإنها من الشرائع التي تختلف باختلاف الأزمنة، ويدخلها النسخ والنقل من جهة إلى أخرى، ولكن الشأن كل الشأن في امتثال طاعة الله على الإطلاق، والتقرب إليه، وطلب الزلفى عنده.


الصفحة التالية
Icon