أيضاً، فكان قول: إن شاء الله هنا تحقيقاً للدخول، كما يقول الرجل فيما عزم على أن يفعله - لا محالة - والله لأفعلن كذا إن شاء الله، لا يقولها لشك في
إرادته وعزمه، ولكن إنما لا يحنث الحالف في مثل هذه اليمين لأنه لا يجزم بحصول مراده ١.
وأُجيب بجواب آخر لا بأس به، وهو: أنه قال ذلك تعليماً لنا كيف نستثني إذا أخبرنا عن مستقبل. وفي كون هذا المعنى مراداً من النص نظر؛ فإنه ما سيق الكلام له إلا أن يكون مراداً من إشارة النص. وأجاب الزمخشري بجوابين آخرين باطلين، وهما: أن يكون المَلَكُ قد قاله، فأُثبت قُرآناً، أو أن الرسول قاله٢.

١ أول من أجاب بهذا الجواب السديد ـ فيما رأيت ـ محمود بن حمزة الكرماني في كتابه غرائب التفسير (٢/١١١٦) وهو أحد الأقوال في التفسير الكبير (٢٨/٩١). وأجاب به شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (٧/٤٥٦، ٤٥٧) بعد أن فنّد كثيراً من الأقوال ـ غير هذا القول ـ وبيّن بعدها. ولم يذكر غيره ابن كثير في تفسيره (٤/٢٠٢). ومن كلام شيخ الإسلام في توضيح هذا القول أنه قال: (. المسلم في الأمر الذي هو عازم عليه، ومريد له، وطالب له طلباً لا تردد فيه يقول: إن شاء الله، لتحقيق مطلوبه، وحصول ما أقسم عليه؛ لكونه لا يكون إلا بمشيئة الله، لا تردد في إرادته. والرب تعالى مريد لإنجاز ما وعدهم به إرادة جازمة لا مثنوية فيها، وما شاء فعل، فإنه سبحانه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، ليس كالعبد الذي يريد ما لا يكون، ويكون ما لا يريد. فقوله سبحانه: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ تحقيق أن ما وعدتكم به يكون ـ لا محالة ـ بمشيئتي وإرادتي، فإن ما شئت كان وما لم أشأ لم يكن، فكان الاستثناء هنا لقصد التحقيق؛ لكونهم لم يحصل لهم مطلوبهم الذي وعدوا به ذلك العام). مجموع الفتاوى (٧/٤٥٧).
٢ شرح العقيدة الطحاوية، ص (٤٩٧، ٤٩٨) وأشار المؤلف إلى أن الاستثناء للتحقيق في كتابه التنبيه على مشكلات الهداية، ص (٢٦٤) تحقيق عبد الحكيم. وما نسبه المؤلف للزمخشري هو في كشافه (٣/٥٤٩). وكما اعترض المؤلف على جوابي الزمخشري، فكذلك غيره قد اعترض عليهما. انظر الفتوحات الإلهية (٤/١٧٠). وإن أردت الاطلاع على كل هذه الأقوال التي ذكرها المؤلف ـ وزيادة ـ فانظر تفسير القرآن للسمعاني (٥/٢٠٨)، وغرائب التفسير (٢/١١١٦)، والمحرر الوجيز (١٥/١١٩، ١٢٠)، وزاد المسير (٧/٤٤٣)، والجامع لأحكام القرآن (١٦/٢٩٠)، والتسهيل لعلوم التنزيل (٤/١٠٠). وقد تبين لك أن القول الحق حمل الاستثناء على التحقيق، كما قال شيخ الإسلام وغيره من الأئمة.


الصفحة التالية
Icon