ذم التقليد الأعمى
قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢]، أي: ليس لهم فيما هم فيه من الشرك سوى تقليد الآباء والأجداد بأنهم كانوا على أمة، والمراد بها الدين هاهنا، وهذا هو التقليد الأعمى.
قال تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢]، أي: أنهم رأوا أن فعل الآباء هو الهدى، فهم يسيرون وراءهم قد أعموا أبصارهم وعيونهم، فلا ينظرون إلا إلى ما نظر إليه الآباء، فألغوا عقولهم، وما استخدموا دليلاً ولا نظراً ولا فكراً، وإنما قلدوا الآباء والأجداد، هذا التقليد هو الذي نهينا عنه، من أن الإنسان يمشي وراء غيره من غير أن يتفكر ويتدبر.
وقد أنكر الله على المشركين رفضهم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، فقد كان لهم عقول يتفكرون ويتدبرون في هذا النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه، من هو؟! وهل كان يطلب ملكاً قبل أن يقول: إنني رسول الله إليكم؟! وهل كان هذا في يوم من الأيام أحد آبائه ملكاً من الملوك، فهو الآن يطلب ملك أبيه هذا؟! وهل كان يكذب قبل ذلك، أم كنتم تلقبونه بالصادق الأمين صلوات الله وسلامه عليه؟! تنظرون في حاله صلوات الله وسلامه عليه أنه نبي أمي لا يقرأ ولا يكتب، ومع ذلك يأتي بهذا القرآن العظيم، المعجز من عند رب العالمين سبحانه، فجاءكم وقال: أنا رسول من رب العالمين، فقلتم: إعطنا الآية التي تدل على أنك رسول؟! فأتاكم بهذا القرآن العظيم الذي تحداكم به، جاءكم بمعجزة من عند رب العالمين، وتحداكم بها، فهاتوا مثل هذا إن كنتم تقدرون؟! هلا أعملتم عقولكم في هذا الرجل الذي عاش بينكم، أربعين سنة لم يكذب قط صلوات الله وسلامه عليه، والجميع سواء الموافق والمخالف يشهدون له بذلك عليه الصلاة والسلام، فقد كانوا يلقبونه بالصادق الأمين، فهنا مجال إعمال الفكر، وإعمال العقل بأن هذا الرجل لم يكذب قط، ولم يطلب ملكاً، وإنما هو رسول من عند الله عز وجل، أيده بالقرآن العظيم، ولم يقل هذا كلامي، وإنما قال: هذا كلام الله، وقد أمرني أن آمركم بالصلاة، وبالزكاة، وآمركم بعبادة الله وحده لا شريك له، فهو لا يقول ذلك من عند نفسه، وإنما يأمره ربه سبحانه تبارك وتعالى.
جاءكم بآيات بينات، وبشريعة عظيمة، وأخبركم بأشياء فكانت على ما أخبر صلوات الله وسلامه عليه، فلم لم تجدوا في كلامه كذباً قط، فإذا وعد صدق الوعد الذي يقوله صلوات الله وسلامه عليه.
ومن الأمور التي أخبر بها صلوات الله وسلامه عليه فكانت على ما أخبر صلى الله عليه وسلم: هزيمة الفرس في بضع سنين، قال تعالى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ٢ - ٤]، فتحقق هذا الذي قاله ربنا سبحانه تبارك وتعالى على لسان نبينا صلوات الله وسلامه عليه، فما أخبر بشيء أنه سيحدث إلا وكان كما يقول صلى الله عليه وسلم.
أتاهم بالآيات البينات والمعجزات التي تؤيده على ما يقول، فصدقه وآمن به من آمن، ودخل معه في دينه صلوات الله وسلامه عليه.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١]، أي: اتبعوا النبي صلوات الله وسلامه عليه مع النور الذي جاءه من عند رب العالمين، فأمرنا بالاتباع ولم نؤمر بالتقليد، والتقليد: هو أن تلغي عقلك وتسير وراء من تسير بدون دليل ولا حجة.
أما الاتباع فأنت تنظر في الذي جاء به، وتعمل عقلك في هذا الشيء، هل هذا فعلاً من عند الله، أم ليس من عند الله؟! فإذا عرفت أن هذا من عند الله، وأن هذا رسول الله لزمك أن تصدقه، وأن تتبعه صلوات الله وسلامه عليه فيما يأمرك به، فإذا قال: اعبد الله سبحانه ولا تشرك به؛ لزمك أن تنفذ ذلك، وإذا قال: انتهي عن المعاصي طاعة لله.
لزمك أن تنفذ ذلك.
أما هؤلاء المشركون فقد قالوا: إنا مقلدون، وسنسير على ما سار عليه آباؤنا، فهل كان مع آبائهم دليل وحجة على ما يقولون؟! وهل كانوا بشراً غير البشر، أو من نور، مخلوقين من غير ما خلقتم أنتم منه؟! لا، فآباؤهم مثلهم، فقد كانوا أهل ظلم وأهل عدوان وباطل، وكذلك هؤلاء وراء آبائهم فيما يفعلون.
إن كل إنسان يقول كما يقول هؤلاء ففيه جاهلية من جاهلية هؤلاء، وكذلك من يقول: أنتم أتيتم لنا بدين جديد؟! نحن نعمل هذا الشيء منذ زمن طويل، لذا فإن الكثيرين من الناس يقعون في البدع، ويقعون في أشياء ينسبونها للدين، والدين بريء منها، وحجتهم: (وجدنا آباءنا على أمة) أي: أن أهلنا كانوا يعملون هذا الشيء، فنحن نعمل مثلما يعمل الآباء والأجداد.
فالإنسان المؤمن لا يقلد الآباء إلا فيما كان معهم دليل من كتاب الله عز وجل أو من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، والاتباع اسمه: (اتباع) وليس تقليداً، وإنما التقليد الذي يكون بغير دليل، فلا أفكر، وإنما أمشي وراء هذا الشيء، لكن الاتباع معرفة الدليل الذي نسير وراءه؛ وأنه على الحق.


الصفحة التالية
Icon