وقوله تعالى على لسان نبيه (أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ) تومئ إلى أن حالا من الخور قد اعترت نفوس بعض المحاربين، إذ إن الاستفهام كان منصبا على (لن) التي تفيد النفي المؤكد، والمعنى: أمن المؤكد أنه لَا يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين، وهذا فرق ما بين الاستفهام إذا دخل على " لا " والاستفهام إذا دخل على " لن " فالأول استفهام منصب على نفي غير مؤكد، والثاني استفهام منصب على نفي مؤكد، وذلك يدل على خور قد اعترى بعضهم، فكانت الحال في الابتداء عن بعض المحاربين تومئ إلى احتمال هزيمة.
ومعنى الآية الكريمة في الجملة: تذكر حالهم أيها النبي الكريم فبعضهم هَمَّ بأن يفشل، وأن قوما قد نكصوا على أعقابهم، وأثر ذلك في نفوس غيرهم، وأنك بأمر ربك وعدتهم بأن يمدهم الله تعالى بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين، أي ينزلهم الله تعالى إلى أفئدتهم فؤادا فؤادا، ويكون منهم النصر العزيز بأمر الله تعالى، وإن هذه الحال، وهي ابتلاء الوهن على نفوس بعض المسلمين، جعلت النبي - ﷺ - بأمر ربه يعدهم وعدا أوْفَى، ويزيل احتمال عدم الكفاية من مدد الله، ويؤكد الكفاية فيقول تعالى:
* * *
(بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥)
* * *
" بلى " هنا إجابة لحاجتهم من المعونة الروحية، وفيها معنى الإضراب عن الإمداد الكثير إلى الإمداد الأكثر، والمعنى: يكفيكم أن يمدكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة، ونرى من المقابلة بين النصين الكريمين أن النص الأول فيه استنكار للنفي المؤكدب " لن " من أن ثلاثة آلاف لَا يكفي، وفي هذا النص تأكيد بأنه يكفيهم خمسة آلاف، ولكن الكفاية لَا تتحقق في ثلاثة آلاف أو خمسة آلاف إلا بشرط، وهو الصبر، والتقوى، ولذا قال تعالى: (بَلَى إِن تَصْبِرُوا) أي إن تسربلتم سربال الصبر، واستشعرتم تقوى الله، وعلمتم أن النصر من عنده، فإنكم لَا محالة منتصرون، وسيمدكم الله بروح منه، أولئك الملائكة الأطهار، وإن الصبر هو قوة الحروب، والصبر يتقاضى أن يضبط المجاهد نفسه فلا ينساق وراء