المؤمن على القتال وهو يعلم أنه يفوز بإحدى الحسنيين الشهادة أو النصر، وكلتاهما غاية الطلب.
فالآيات تساق لمقاصد سامية منها إلقاء البشرى، والتسلية والتعزية، فقد بيّن الله سبحانه أن ما أصاب المسلمين في أحد قد أصاب المشركين مثله، وفي ذكر ذلك دعوة إلى تجديد الجهاد بقلوب مستبشرة، ونفوس مطمئنة، فقال تعالى:
* * *
(إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ... (١٤٠)
* * *
القَرْحُ بفتح القاف: الجرح، وبضمها: الألم الذي يترتب عليه، وقال الكسائي والأخفش: اللغتان بمعنى واحد وهو الجرح وأثره، وبهما قرئت الآية (١)، ولقد جاء في المفردات للأصفهاني: (القرح الأثر من الجراحة من شيء يصيبه من الخارج، والقرح أثرها من الداخل، كالبثرة ونحوها). فالقرح على هذا أثر الجراحات في الظاهر، وبالضم أثرها في الباطن وإذا كان القرح هنا معنويا، فيصح أن نقول: إنه بالفتح ما يعقب المعركة من ألم واضح للهزيمة، وهو بالضم الغم والحزن الذي يستولي على النفوس حتى يكون النصر من جديد، وإن الظاهر هنا أن الفتح أوضح؛ لأن الله عبر عن أثره بأنه مس فقال: (إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ) والمس إنما يتناول الظاهر فقط.
والقرح الذي أصاب المشركين هو يوم بدر، وما أصاب المسلمين هو يوم أحد، وقد قرر الزمخشري أنه يجوز أن يكون القرح الذي أصاب المشركين هو يوم أحد، لأن المشركين قتل منهم عدد، فكان فيهم مقتلة كما في المسلمين فقد قال الله تعالى: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّه وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهم (٢) بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصيْتُم مِّنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تحِبُّونَ...).
________
(١) قرأها بضم القاف: حمزة والكسائي، وخلف وأبو بكر. وقرأ الباقون بالفتح. [غاية الاختصار لأبي العلاء الهمداني: (٢ ص ٤٥٣).
(٢) تحثونهم: تقتلونهم.