ويقولوا إن طريقهم هو طريق الهداية، وطريق أهل التوحيد لَا هداية فيه! بسبب هذا لعنهم الله تعالى بأن طردهم من رحمته، فكتب عليهم بُغض الناس في الدنيا، والذل والمقت فيها، وعذاب الله تعالى في الآخرة. والإشارة في قوله تعالى " أولئك " إشارة إليهم موصوفين بالصفات التي وصفهم الله بها من نفاق، وخداع، وكذب، وتعصب وسيطر؛ الهوى على نفوسهم، وضياع الحقوق بينهم، وهذه الصفات هي سبب الطرد من رحمة الله تعالى. وإذا كانوا مطرودين من رحمة الله قد كتب الله تعالى غضبه عليهم، فلن ينصرهم أحد من أهل الأرض (كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ)، فإذا كانوا قد ذهبوا إلى أهل مكة يستنصرون بهم فلن ينصروهم، ولن يثقوا بِهم، ولذلك قال تعالى: (فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا) أي فلن تجد للملعون الذي طرده الله تعالى من رحمته نصيرا ينصره من الناس، و " لن " هنا لتأكيد النفي، ويقول الزمخشري (إن لن تفيد تأكيد النفي أبدا)، أي أنهم لم ينصرهم الله ولن يجدوا أبداً نصيرا من الناس تستمر نصرته، وإذا استطاعوا أن يستنصروا بأمثالهم في هذه الأيام، فإن الخذلان وراءهم إن شاء الله تعالى، وهم أشد مقتا عند الله وعند الناس في هذه الأيام كما كانوا في كل ماضيهم، والله المنتقم الجبار. وقد أخبر الله تعالى نبيه بأنهم إذا كان لهم أحيانا نصيب من الملك غير مستقر ولا دائم، فسيكون ظلما كبيرا ولا يرضي الله لعباده أن يستمر فيهم ظلم.
* * *
(أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ... (٥٣)
* * *
(أم) هنا تفيد الانتقال في القول من التعجب من حالهم في ممالأة المشركين إلى بيان حالهم العجيب إذا أُوتوا أي حظ من السلطان والحكم؛ والمعنى: أثَبتَ أنهم إذا كان لهم حظ من الملك والسلطان ولو كان ضئيلا يحكمون بالعدل، ويقومون بالقسطاس المستقيم؛ والاستفهام لنفي الوقوع، وهو نفي لوقوع العدل منهم إذا أعطوا أي حظ من الحكم؛ ذلك لأن المنافق لَا يمكن أن يكون عادلا؛ لأن العدل والالتواء نقيضان لَا يجتمعان، ولأنهم أهل هوى، ولا عدل مع سيطرة الهوى، ولأنهم غلبت عليهم عصبية دينية جامحة، وكل حكم


الصفحة التالية
Icon