ينهى عنه هو من الله تعالى، كما قل تعالى: (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى). ويجرنا الكلام في هذا إلى الكلام في اجتهاد النبي - ﷺ -: هل طاعته واجبة فيه بإذن من الله، وبعبارة أخرى: أهو لَا يخطئ فتجب الطاعة، ويكون ما ينتهي إليه في الاجتهاد هو كالموحَى به؟ والجواب عن ذلك أنه يجوز الخطأ على النبي - ﷺ - في الاجتهاد في بيان بعض الأحكام، ويجوز الخطأ عليه في القضاء إذا لبَّس الخصوم. والخطأ الأول قد وقع فقد اجتهد مع أصحابه في معاملة الأسرى، وخطأهم الله في اجتهادهم في ذلك الموضع (١). وقد فرض عليه الصلاة والسلام جواز الخطأ في القضاء، فقد قال عليه الصلاة والسلام: " إنكم تختصمون إلى ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من البعض الآخر، فمن قضيت له بحق أخيه، فإنما أقتطع له قطعة من النار " (٢). ولكن الخطأ في الأحكام لَا يمكن أن يقره الله تعالى عليه، بل يبينه، لسلامة النقل عن الله تعالى، وليكون كل ما يأمر به النبي - ﷺ - حقا، وليتحقق معنى قوله عليه الصلاة والسلام: " ما أمرتكم به فخذوه، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه " (٣). وكذلك لَا يجتهد النبي - ﷺ - في قضائه
_________
(١) أومأ إمامنا إلى قوله تعالى: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ). قال القرطبي: هذه الآية نزلت يوم بدر، عتابا من الله عر وجل لأصحاب نبيه - ﷺ -. والنبي - ﷺ - لم يأمر باستبقاء الرجال وقت الحرب، ولا أراد قط عرض الدنيا، وإنما فعله جمهور مباشري الحرب؛ فالتوبيخ والعتاب إنما كان متوجها بسبب من أشار على النبي - ﷺ - بأخذ الفِدية.
(٢) متفق عليه؛ رواه البخاري: الشهادات - من أقام البينة بعد اليمين (٢٦٨٠)، ومسلم: الأقضية - الحكم الظاهر واللحن بالحجة (١٧١٣).
(٣) رواه ابن ماجه: المقدمة - اتباع سنة الرسول - ﷺ - (١) ولفظه: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَخُذُوهُ، وَمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ". وهو في الصحيحين؛ (١٣٣٧) البخاري: الاعتصام بالكتاب والسنة (٧٢٨٨)، ومسلم في الفضائل: ولفظه عند البخاري: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلاَفِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا [ص: ٩٥] أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ ".


الصفحة التالية
Icon