لدفع الاعتداء، فإذا كانوا كذلك فما جعل الله لكم في شرعه وأحكامه سبيلا لقتالهم.
وفى النص الكريم إشارتان لفظيتان: أولاهما - قوله سبحانه: (فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا)، إذ التعبير بـ " عليهم " يومئ إلى أن قتالهم اعتداء عليهم، وما جعل الله لكم حق الاعتداء، فالمعنى: ما جعل الله سبحانه لكم سبيلا للاعتداء بـ " عليهم ". الثانية - التعبير بلفظ السلم بدل السلام للإشارة إلى معنى التسليم، لَا مجرد الأمن والسلام؛ لأن السلم يفيد معنى التسليم، فهم ألقوا إليكم الأمن وتسليم القيادة لكم.
وهناك صنف آخر غير هؤلاء المسالمين، وهم قوم يخادعون، لَا يكفون عن القتال، وقد قال سبحانه فيهم:
* * *
(سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا... (٩١)
* * *
هذا صنف أخير يتجه إلى أن يأمن قومه، فلا يقاتلهم، ويأمن المؤمنين حتى لَا يقتلوه، ولكنه لَا يمدّ يد الأمان، ولا يسلم القياد، وهؤلاء إذا دعوا إلى القتال، ولم يعترضوا منفردين لأذى المؤمنين، استجابوا للقتال في صفوف المشركين، فهم يظهرون الأمان، أو يظهرون الإسلام، ليأمنوا جانب المؤمنين، فإن لاحت لهم فرصة الانضمام لأعداء الله قاتلوا معهم، وهذا مرمى قوله تعالى: (كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا)، أي كلما ردوا إلى قومهم مفتونين بعصبيتهم وكفرهم، قلبت نفواسهم أقبح قلب، فأركسوا في فتنة الكفر والحصبية، وهؤلاء أوجب الإسلام قتالهم إذا لم يعتزلوا أقوامهم ويكفوا أيديهم عن قتال المسلمين، ولذا قال سبحانه:
(فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا) أي إن لم يعتزلوا قتالكم،
ويمتنعوا عن حربكم، ويلقوا إليكم بالأمان مع تسليم أنفسهم منقادين، ويكفوا أيديهم عن القتال، فقد حل دمهم، وزالت عصمتهم، فخذوهم بالنواصي أسرى،


الصفحة التالية
Icon