وإن جريمة هؤلاء جريمتان: إحداهما ارتكاب الشر والإيغال فيه، والثانية أنهِم يرمون البرآء به، ولذا قال تعالى: (ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينَا).
وإن هذه الجريمة تتضمن هي الأخرى في ثناياها جريمتين: إحداهما - البهتان، وهو الكذب الذي لَا يتصور عند أهل الخير وقوعه، والثانية - إثم واضح، وهو إلقاء التبعة على الغير، إذ إنه كذب حير البريء وأذْهله.
وإن هؤلاء، مع هذه الذنوب التي يرتكبونها، منافقون يظهرون غير ما يبطنون، وهم شر الجماعة الذين يسعون بالفساد في الأرض، وأن السعاية التي يرتكبونها بنفاقهم توجب قطعهم عن الأمة، ولقد أوجب بعض الفقهاء عقابهم. وإن هؤلاء يفسدون الحكام على شعوبهم، ويسعون في الأرض فسادا بجرمهم، وإن الله يحذر نبيه من أمثالهم، وهو قدوة حسنة لكل الحكام.
* * *
(وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ... (١١٣)
* * *
الضمير في قوله تعالى: (لَهَمَّت طَائِفَةٌ منْهُمْ) يعود على ما يفهم ضمنا من حال هؤلاء الذين أُرِكست نفوسهم في الخطايا، حتى أصبحوا يقدمون عليها من غير قصد خاص إليها، كأن ذلك حال من أحوالهم، فهم منافقون يبتغون الفتنة في الذين آمنوا، وأول فتنة وأقوى فتنة هي التي تجيء في الحكام، فتبعد ما بينهم وبين الأخيار من الأمة، ويتقرب بها الأشرار الذين يرتكبون الشر، ويرمون به الأبرياء. ومعنى النص الكريم: إن أولئك المنافقين العصاة جريئون على رمي الأبرياء وتضليل الحكام. ولولا أن الله تعالى مَنَّ عليك بفضله العميم، ورحمته الواسعة، لهمت طائفة منهم أن يجعلوك في ضلال بالنسبة لمن تحكمهم وتهديهم، فهم لم يهموا بذلك؛ لأنهم يعلمون فضل الله تعالى عليه بالوحي الذي يبين له الحق، ورحمته الواسعة التي يمن بها عليه وعلى قومه، فلا يكون منهم ما يعنتهم، كما قال تعالى في وصف نبيه عليه الصلاة والسلام: (... عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رحِيمٌ)


الصفحة التالية
Icon