وإن الله تعالى قد وعد بالثواب العظيم لمن يحسن ويلاحظ تقوى الله تعالى في المعاملة من الزوجين؛ لأن الله تعالى يعلم علما دقيقا لَا يغادر شيئا، وهو علم مستمر دائم يليق بجلاله سبحانه، وهذا معنى قوله تعالى: (فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) وإذا كان عليما علما دقيقا بما يعملون، فإنه هو الذي يجازي بمقتضى علمه، فإذا تسامح أحد الزوجين، فإنه مثاب في الآخرة، فإذا كان قد تسامح في بعض حقه الدنيوي، فإنه سيضاعف له الجزاء في الآخرة.
وإنه في الحياة الزوجية تحقيق العدالة الكاملة غير ممكن، ولذا وجب التسامح، فقال تعالى.
* * *
(وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ... (١٢٩)
* * *
إن الله سبحانه وتعالى نفي استطاعة العدالة بين النساء نفيا مؤكدا، لأن حرف (لن) لتأكيد النفي، فالعدالة بمعنى تنفيذ كل الحقوق المقررة والواجبات النفسية أمر غير ممكن مهما يكن حرص الإنسان على العدالة.
وقد فرض العلماء أن هذه العدالة غير الممكنة لَا تكون إلا إذا كان الرجل ذا زوجين فأكثر، وذلك ظاهر؛ لأن العدالة النفسية بالمساواة في الإقبال القلبي والمحبة. أمر غير ممكن؛ لأن الناس بحكم الخلقة لَا يملكون نزعات نفوسهم وميول قلوبهم، ولقد كان النبي - ﷺ - يقسم بين زوجاته في كل ما هو ظاهر كالمبيت والكسوة والنفقة، وكل ما يتعلق بصورة الحياة الزوجية، ولكنه وهو أكمل البشر لم يستطع العدالة النفسية، ولذلك كان يقول - ﷺ -: " اللهم إن هذا قسمي فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك " (١).
وقد ادعى بعض الكتاب في أول هذا القرن العشرين الميلادي وتبعه غيره، أنه بضم آية (... فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً...)، إلى هذه الآية التي نتكلم في معناها يكون منع تعدد الزوجات، وما هكذا تفهم النصوص في
________
(١) رواه أبو داود: النكاح - في القسم بين النساء (٢١٣٤) عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها وأرضاها.