ولكنه تذكر لَا يكون معه إيمان مثمر، ولا تصديق مذعن، فلا خير فيه، ولا ثواب عليه، ولا يمدحون بذلك القدر من الذكر، الذي لَا يجدي. وقوله تعالى:
(وَلا يَذْكُرونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا) هو حال لهم ذكرها يفيد أنهم قد طمس على قلوبهم حتى إذا جاءهم بريق من النور أطفأوه، ولا يبقونه. وهؤلاء المنافقون أمرهم عجب هم أحيانا يدعون أنهم من دولة أهل الإيمان وفي ولايتهم إن وجدوا للمؤمنين غلبا، وينتمون إلى دولة الكفر إن كان للكفر نصيب من نصر أو غَلَبَ أهل الحقد على أهل الإيمان، ولذا قال سبحانه:
* * *
(مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ... (١٤٣)
* * *
الذبذبة الاضطراب، ومن ذلك قول النابغة في مدح النعمان: ألمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أعطاكَ سورةً... تَرَى كُلَّ مُلكٍ دُونها يتذبذبُ أي يضطرب ولا يصل إليها، كذلك هؤلاء المنافقون في اضطراب دائم مستمر، ويترددون: أيخرجون من الكفر إلى الإيمان، أم يبقون على ما هم عليه من كفران، ثم أهم يجعلون أنفسهم مع محمد وأوليائه، أم مع الذين يحاربونه من أعدائه، وقد أشرنا من قبل إلى ما رواه مسلم من قول النبي - ﷺ -: " مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين تعير إلى هذه مرة، وإلى هذه أخرى " (١).
وهنا أمر لفظي، وهو قوله تعالى: (بَينَ ذَلِكَ) الإشارة في الظاهر إلى المذكور آنفا، في طي الكلام، وهو الكفر والإيمان، أو الاستنصار بأهل الإيمان والاستنصار بأعدائهم، فهم مترددون بين هذين الأمرين وهما المذكوران في مضمون الكلام، فالإشارة إلى المذكور، وهو يتضمن أمرين متعارضين هما الالتجاء لأهل الإيمان أو البقاء مع أهل الشيطان. والتعبير بكلمة (بين) الدال على المكان الذي يكون بين أمرين مؤداه أنهم يكونون في مكان متوسط بين الأمرين،
________
(١) سبق تخريجه.