فى الآيات السابقة ذكر سبحانه تعالى مواقف اليهود من رسالة محمد - ﷺ - وامتناع أهل الكتاب عن الإيمان بما جاء به تعصب من عندهم، وإن اختلفوا في معاملتهم، فمنهم من نافق وكذب وغدر، وألب عليه الجموع، وحرض المشركين وحالفهم، ومنهم من اقتصد في المخالفة، وبعض هؤلاء أحسن المعاملة مع الاختلاف ولم يمالئ عليه الأعداء والمشركون من وراء هؤلاء وأولئك يحاربون، ويحاولون أن ينتهزوا الفرص للانقضاض على المسلمين، فكان البلاء شديدا، حروب وفق يريدون إثارتها، وخبال يقصدون إليه، ولذلك أمر الله نبيه بأن يمضي في تبليغ الرسالة غير ملتفت لما يدبرون إلا بمقدار إحباطه، مطرحا عداوتهم وبغضاءهم، فالله تعالى عاصمه منهم، ولذا قال تعالت كلماته:
(يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ). النداء للنبي - ﷺ - بوصف الرسالة لتشريفه بهذا الوصف الكريم، ولأنه مصطفى لها: (... اللَّه أَعْلَمُ حَيْث يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ...). وللتمهيد لما يأمره به من التبليغ، وأن يصدع بأمر الله لَا يراقب أحدا، ولا يخاف من عدو؛ لأنه يبلغ ما أنزل الله تعالى إليه، وقد زكى سبحانه وتعالى الأمر بالتبليغ ووثقه بقوله: (مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ).
بما أنه منزل إليك من الله تعالى، فأنت الأولى بالتبليغ دون غيرك، والمسئول عن إعلام الناس بما أنزل الله تعالى، وإنك إذ تبلغ الرسالة في حماية الله تعالى وكلاءته، ولذلك قال تعالت كلماته: (مِن رَّبِّكَ).
أي الذي خلقك ونماك وقام على رعايتك وهو الذي يحميك، ويدفع عنك السوء والشر، ويبلغك مبلغ الحق من نشر الرسالة ليؤمن من يؤمن عن بينة، ويكفر من يكفر عن بينة: (... وَمَا كُنَّا مُعَذّبينَ حَتَّى نَبْعثَ رَسُولًا).