الكلام موصول بما قبله؛ لأن أولئك النصارى يعبدون عيسى - عليه السلام - ومنهم من يعبد معه أمه، ويقولون هما إلهان من دون الله، ومنهم من يعبد ثلاثة ويجعل الله تبارك وتعالى ثالثهم، تعالى الله سبحانه وتعالى عن ذلك الوهم الباطل، والكذب الفاحش، وقد بين سبحانه وتعالى أن عيسى - عليه السلام - وأمه الصديقة بشر كسائر البشر، يحتاجون إلى غيرهم، وهما آدميان ياكان، ويفعلان كل ما هو من مقتضيات الإنسانية ومظاهرها.
وقد بين مع ذلك كيف يعبدون مع هذه الحالط، فقال لنبيه، قل لهم:
(أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا). الاستفهام هنا إنكاري لإنكار الواقع، والتعجب مما وقع منهم، وإنكار الواقع، توبيخ على سوء الفعل، وسوء التقدير، فهم يعبدون بشرا أو حجرا ويتركون عبادة الله تعالى، كما في قوله تعالى: (مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا) للعموم، وهي بهذا العموم تشتمل على ما يعبد من حجر وغيره، ولعدم اقتصاره على عيسى وأمه ذكر بلفظ (ما) الدال على العموم، لَا بلفظ (من) الدال على العقلاء.
ومعنى لَا يملك ضرا ولا نفعا: أنه لَا يملك المرض والسقم، ولا البلاء ولا الشدائد، كما لَا يملك النفع بدفع الضر، ولا جلب الخير، ولا إنزال الغيث، ولا إرسال الرياح مبشرات بين يدي رحمته، ولا غير ذلك مما ينفع الوجود كله. وهنا لَا بد أن نتعرض لأمرين: أولهما - كيف يقال إنهم يعبدون من دون الله مع أن المشركين يقولون: (... مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى...).
والنصارى يعبدون ثلاثة أو اثنين على اختلاف طوائفهم ولم يتركوا عبادة الله ونقول: أن من يشرك العبادة مع الله تعالى لَا يقال إنه عبد الله؛ لأن عبادة الله تعالى تقتضي أن تخلص العبادة له سبحانه، وألا يعبد سواه بأن يفرده بالعبادة وحده إذ لَا يستحق العبادة معه أحد، ويقال حينئذٍ إنه عبد ما دون الله تعالى، إذ كانت عبادته ضد عبادة الله تعالى.