أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (١٠٨)
* * *
في الآيات السابقه ذكر سبحانه وتعالى أحكام الطيبات وأنه لَا يجوز تحريمها، وأن المشركين يحرمون على أنفسهم ما أحل الله تعالى، ويدعون أن تحريم ذلك دين متبع، وقد بين سبحانه وتعالى بطلان ذلك، وبين سبحانه وتعالى أن على المؤمنين أن يحفظوا أنفسهم، ويلتزموا الهدى، وألا ينحرفوا عن الحق، وفى هذه الآيات المقبلة بيان طريق من طرق الإثبات وهو الإثبات بالشهادة، والجملة السابقة كانت لبيان الحق في عامة صوره وأحواله، وهذه الآيات في صورة منه وهي أدق الصور، وهي التي تكون بعد الوفاة، لقد قال تعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ) قال فخر الدين الرازي في الربط بين هذه الآية وما قبلها: " اعلم أنه تعالى لما أمر بحفظ النفس في قوله تعالى: (عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ) أمر بحفظ المال في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ)، وموضوع هذه الآية أدق الموضوعات في باب الإثبات، وقد قرر علماء القانون الوضعي دقة الإثبات في موضوعها، وهو الوصية التي تكون في سفر، ويموت صاحبها في هذا السفر، وإنهم قد تساهلوا في طرق الإثبات فيها تحققا من صحة الوصية والأموال ومآلها، حتى لقد قال بعض القانونيين: إنه تثبت الوصية بالكتابة على الرمل لمن حضرته الوفاة، وهو نائم على ذلك الرمل؛ وذلك الأن الإثبات في هذه الحال التي مات فيها صاحب الوصية من غير أن يتمكن من أن يكتب وصيته صعب.


الصفحة التالية
Icon