فالأولوية على هذا بالنسبة لأمته ولمن بعث إليهم، وذكر تحريضا لهم على الاتباع والاقتداء، كما ذكرنا، وليست الأولية مطلقة، فإن الإسلام دين الأنبياء جميعا قبل النبي - ﷺ - ولقد قال تعالى فيما قال نوح عليه السلام لقومه: (فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ)، وقال تعالى في إبراهيم: (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)، ولقد قال يوسف: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١).
وقال بعض العلماء: إن أولية إسلام النبي - ﷺ - أولية مطلقة، فهو كما قال ذلك القائل، أول الأنبياء إسلاما وآخرهم مبعثا، والله سبحانه وتعالى أعلم.
* * *
(قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ... (١٦٤)
* * *
أمر الله تعالى نبيه أن يقول للمشركين في سياق الدليل على أنه لَا يعبد سواه، ولا رب سواه، والاستفهام هنا إنكاري لإنكار الوقوع لَا يمكن أن يقع مني أن أبغي غير الله ربًّا، ويكون تقديم غير الله على الفعل. في معنى القصر أي لا أبغي غير الله تعالى ربًّا أعبده، وعبر هنا بقوله (رَبًّا)، ولم يعبر بكلمة (إلها) مع أن المقصود هو العبادة، إذ المعنى أبغي غير الله إلها، وهو رب كل شيء، للإشارة إلى التلازم بين الربوبية والألوهية، إذ أنهم كانوا يعترفون بأن الله تعالى رب كل شيء وخالق كل شيء، ولكنهم يفرقون ذلك عن العبادة، فهم يعتقدون أن الله خالق كل شيء، ولكنهم يعبدون الأوثان، ويقولون: ما نعيدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فقوله تعالى (أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا) فيه إشارة إلى الربوبية والخلق والتكوين، والعبادة فالمعبود بحق هو الرب الخالق، لَا هذه الأوثان التي تتوهمون فيها سرا وتقريبا، وما هي بشيء.


الصفحة التالية
Icon