ادخلوا أيها المخلصون الذين أخلصوا دينهم، وصبروا وصابروا الجنة بما فيها من نعيم حسي، وراحة نفسية، وطلب الدخول هنا تقرير للدخول؛ لأنهم دخلوا فعلا، وما كان دخولهم بعد الطلب، إنما كان قبله، كما ترى إنسانا في أرض طيبة فينتفع وهو فيها، ويستحقها، تقول له: ادخلها وابق فيها.
(لا خَوْفٌ عَلَيْكُم) من شر يحيق بكم، ولا هم يغمكم، بل أنتم في رَوح وريحان، (وَلا أَنتُمْ تَحزنونَ) على الخير لكم، وحاضر نعيم، وسعادة، وقد نزع الله تعالى من قلوبكم الغل فأنتم تنعمون براحة البال والمحبة والتواد بينكم، فلا تنغص من حقد أو حسد، أو تباغض.
تنبيه: إن أهل الأعراف يحبسون عن دخول الجنة، ويرون ما عليه أهل النار، وما عليه أهل الجنة، ويقول. في ذلك الزمخشري في الكشاف: " فائدة ذلك بيان أن الجزاء على قدر الأعمال، وأن التقدم والتأخر على حسبها، وإن أحدا لا يسبق عند الله إلا بسبقه في العمل، ولا يتخلف إلا بتخلفه فيه وليرغب السامعون في حال السابقين ويحرصوا على إحراز قصبتهم، ولتصور أن كل أحد يعرف في ذلك اليوم بسيماه التي استوجب أن يوسم بها من أهل الخير والشر، فيرتدع المسيء عن إساءته، ويزيد المحسن في إحسانه، وليعلم أن العصاة موبخهم كل أحد حتى أقصد الناس عملا ".
فإنك كما ترى أهل الأعراف لم يدخلوا الجنة، وهم يطمعون فيها ومع ذلك كان فيهم ذلك التوبيخ والتنديد بالعصاة.
* * *
(وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ... (٥٠)
* * *
انتهت المجاوبة التي كانت بين أهل الأعراف وأصحاب الجنة التي لم يدخلوها، وكانوا يطمعون فيها، وهي دلت على أن الأعمال هي تدخل الجنة، وأن التقاصر عنها هو الذي يدخل غيرها.
وإن أهل النار كانوا في لثمقاء، فعند أهل الجنة ما يشتاهون من لحم، وعسل مصفى، وحور عين، وأنهار تجري.. أما أهل النار ففي حرمان مطلق من كل