قال الذين تكلموا من الشعب: (أَرْجِهْ وَأَخَاهُ) أي أرجئه وأخاه، أي أجِّله زمنا، وأرجه أصلها أرجئه وأخاه، فحذفت الهمزة تخفيفا، والضمير يعود على موسى، وأخوه هو هارون الذي أرسله الله تعالى مع موسى ردءا له يعضده، ويعاونه - أرجئهما، أي أجلهما، وقيل أرجه بمعنى احبسه، ونرى أن (أَرْجِهْ) معناه تأجيلهما، والشعب أو المتكلمون باسمه كانوا أقرب إلى الحصفة؛ لأنهم يقولون لَا تتعجل أمرهما حتى ندرسه مع أهل الخبرة بالسحر (وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ) في قرئ مصر وريفها (حَاشِرِينَ) اسم فاعل من حشر، أي جامعين الناس لمشهد عظيم،
(يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ) أي يأتوك بالمهرة من السحرة، وعبروا عن أولئك المهرة، ووصفوا أيضا بأنه (عَلِيمٍ) مدرك لألاعيب السحر، وأفانينه، فهو عمليا (سَاحِرٍ)، وعلميا (عَلِيمٍ) ذو خبرة.
تضافرت القوي ضد موسى وهارون، إذ جابها فرعون بإنكار ألوهيته الموهومة، وحرض ملؤه الناس بأنهما يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما.
اجتمعوا، وهنا يظهر الفرق بين المخلص الذي يدعو إلى الحق احتسابا لله، والمأجور الذي يطلب الأجر. استمع إلى قول الله تعالى عنهم:
(وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (١١٣)
ساوموه قبل أن يبدأوا يطلبون الأجرة، وهذا يدل على أنه مع طغيانه كان أرفق من بعض الحكام الذين حاكوه وساروا على طريقته.
أجابهم فورا:
(قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) ذكر لهم أجرين أحدهما مادي، والثاني معنوي، أما الأول فهو المال الذي طلبوه، والثاني رضاه عنهم، وتقريبه لهم، ولذا أكد الثاني بالجملة الاسمية وبـ " إنَّ " وباللام، وبإدخالهم في ضمن المقربين منه كحاشيته.
وهذا ما كان يعبر في حكم اللوك بالرضا السامي، وعبر به الطغاة في كل زمان بعد أن ضمنوا الأجر والقرب، إن كانوا هم الغالبين. اتجهوا إلى موسى في المشهد العظيم:


الصفحة التالية
Icon